قراءة استراتيجية في الخوف من الإسلام المنظم وأزمة القيم الديمقراطية.

من مفارقات السياسة الدولية في عام 2026 أن جماعة الإخوان المسلمين، التي تعيش واحدة من أضعف مراحلها التنظيمية والسياسية منذ تأسيسها قبل نحو قرن، أصبحت حاضرة بقوة في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي والأمريكي، وفي قرارات ومناقشات المؤسسات الأوروبية!
فكيف يتحول تنظيم أنهكته السجون والملاحقات والانقسامات وفقدان السلطة إثر الانقلاب على حكمه إلى خطر انتخابي عابر للقارات؟ ولماذا تستدعي قوى سياسية كبرى اسم الإخوان لتخويف شعوبها، بينما تملك هذه القوى دولًا وجيوشًا وأجهزة استخبارات وإمكانات لا تُقارن بما تملكه الجماعة؟
وهل تعكس هذه الظاهرة قوة الإخوان، أم أزمة أعمق في الحضارة الغربية ومنظومتها السياسية والأخلاقية؟
أولًا: المفارقة بين الضعف التنظيمي والتضخيم السياسي
وصل الإخوان إلى رئاسة الجمهورية المصرية عبر الانتخابات عام 2012، ولم يستمر حكم الرئيس د. محمد مرسي سوى عام واحد، قبل الانقلاب عليه في يوليو 2013. ومنذ ذلك الحين تعرضت الجماعة لضربات قاسية أفقدتها معظم قدرتها التنظيمية والسياسية داخل مصر، إلى جانب انقساماتها الداخلية وتراجع تأثيرها الخارجي.
ومع ذلك، نجد وزيرًا إسرائيليًا يحذر الناخبين من حكومة تعتمد على الإخوان، ونجد اتهامات مماثلة تُوجه إلى مرشح أمريكي مسلم، بينما أصدر البرلمان الأوروبي في 8 أكتوبر 2026 قرارًا يدعو إلى مواجهة ما يسميه نفوذ شبكات الإخوان.
الأكثر دلالة أن الاتهام قد يُوجَّه إلى شخصيات لا يثبت انتماؤها للجماعة أصلًا.
وهنا لم يعد اسم الإخوان توصيفًا تنظيميًا دقيقًا دائمًا، بل أصبح في بعض الخطابات رمزًا سياسيًا واسعًا، يستدعي الخوف من الإسلام والهوية والهجرة والتغيير المجتمعي.
(ثانيًا: هل الخوف من الجماعة أم من الإسلام المنظم؟)


هذا هو السؤال الجوهري


فالإخوان لم يؤسسوا حضورهم التاريخي على العمل الحزبي وحده، وإنما على تصور شامل لدور الإسلام في التربية والتعليم والعمل الخيري والاجتماعي والسياسي، وعلى فكرة أن الدين لا ينفصل عن إصلاح المجتمع.
وهذا التصور يختلف عن التدين الفردي الذي يظل محصورًا في الشعائر والممارسات الشخصية.
ويبدو أن بعض التيارات السياسية الغربية تتوجس من الإسلام حين يتحول إلى حضور مجتمعي منظم، قادر على إنشاء المؤسسات والتأثير في الثقافة والمشاركة السياسية.
لكن الخوف من الإسلام السياسي ليس موقفًا غربيًا واحدًا، وإذا كانت هناك مخاوف من الحركات الإسلامية، فيجب مناقشتها بأدلتها، دون تحويل كل مؤسسة إسلامية إلى مشروع سري للاستيلاء على الدولة.
إن الفارق كبير بين مواجهة مخالفة قانونية مثبتة، ومواجهة هوية دينية أو انتماء فكري لمجرد قدرته على التنظيم والتأثير.


ثالثًا: الخلافة الإسلامية وتناقض المعايير


يتكرر اتهام الإخوان بأنهم يسعون إلى إعادة الخلافة الإسلامية، وكأن مجرد التفكير في وحدة سياسية بين المسلمين يمثل تهديدًا للأمن العالمي.
والواقع أن الوحدة الإسلامية فكرة راسخة في التراث السياسي الإسلامي، لكنها لا تعني بالضرورة مشروعًا واحدًا محددًا للحكم، ولا تبرر فرض سلطة عابرة للحدود بالقوة.
والمفارقة أن الدول الغربية أنشأت اتحادات وتحالفات عسكرية واقتصادية ومؤسسات فوق وطنية، من الاتحاد الأوروبي إلى حلف الناتو، باعتبار التنسيق والوحدة وسيلتين لتحقيق مصالحها.
فلماذا يصبح التفكير في أشكال التعاون والوحدة بين الشعوب الإسلامية موضع ريبة، بينما يُنظر إلى المشروعات الوحدوية الغربية باعتبارها تعبيرًا مشروعًا عن المصالح المشتركة؟
إن المعيار العادل ليس هوية المشروع الدينية أو الحضارية، وإنما احترامه إرادة الشعوب والحقوق والحريات وسيادة الدول.


رابعا: هل انتقل النموذج المصري إلى العالم؟


بعد عام 2013، أصبح التحذير من الإخوان أحد العناصر المركزية في الخطاب السياسي المصري، واستُخدم مفهوم الخطر التنظيمي لتبرير إجراءات واسعة ضد الجماعة ومعارضين آخرين.
واليوم نلحظ تشابهًا بين هذه التجربة وبعض الحملات الخارجية: تضخيم الخطر، وربط المنافس السياسي بتهديد أمني، ثم تصوير المعركة الانتخابية باعتبارها مواجهة لحماية الدولة وهويتها.
والأخطر من مصدر الأسلوب هو أثره؛ إذ يمكن أن يحول المنافسة الديمقراطية من مناقشة البرامج والسياسات إلى اختبار للولاء والهوية، ويجعل مجرد الاتهام بديلًا عن الدليل.
والواقع أن اتهام الإخوان أو أي من مؤسساتهم المعاصرة بالتورط في أعمال عنف يحتاج إلى أدلة محددة،


خامسًا: هل نحن أمام بدايات الأفول الحضاري؟


الحضارات لا تبدأ أفولها عندما تضعف جيوشها وحدها، وإنما عندما تتراجع المبادئ التي منحتها مشروعيتها الأخلاقية.
لقد قدمت الديمقراطيات الغربية نفسها طويلًا بوصفها حامية حرية الاعتقاد والتنظيم والتعبير والمشاركة السياسية. فإذا أصبحت هذه الحقوق مشروطة بالهوية الدينية، أو خضعت للاتهامات الجماعية بدلًا من المحاسبة الفردية، فإننا نكون أمام تناقض يمس جوهر النموذج الديمقراطي.


وليس الحديث عن التراجع مجرد انطباع؛ فقد سجل تقرير «فريدوم هاوس» لعام 2026 السنة العشرين المتتالية من انخفاض الحريات عالميًا، ورصد معهد «في-ديم» تراجعًا ديمقراطيًا داخل دول غربية مؤثرة.
ومع ذلك، لا تعني هذه المؤشرات انهيار الحضارة الغربية؛ فما زالت مجتمعاتها تمتلك مؤسسات وآليات للمراجعة والتصحيح والمساءلة.


لكن استمرار توظيف الخوف بدلًا من الحجة، والهوية بدلًا من القانون، والقوة بدلًا من العدالة، قد يكون مؤشرًا على تآكل رصيدها الأخلاقي قبل تراجع قوتها المادية.
وما شاهدناه من قمع للمتضامنين مع غزة في أمريكا وأوروبا أحد مظاهر تراجع الحرية والديمقراطية.


(الخاتمة: من الذي يخاف ممن؟)


إن المفارقة الكبرى ليست أن الإخوان أصبحوا قوة عالمية يخشاها الجميع، وإنما أن اسم تنظيم يعيش حالة ضعف يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية مؤثرة في دول تفوقه قوة ونفوذًا بمراحل.


وهذا يفتح سؤالًا حضاريًا يتجاوز الجماعة نفسها:
هل تخاف بعض القوى الغربية من الإخوان لقوتهم الفعلية، أم من احتمال أن يظل الإسلام قادرًا على إنتاج وعي جماعي ومؤسسات مستقلة ومشروعات حضارية، رغم الضربات التي تتعرض لها حركاته؟


إن مستقبل الحضارة الغربية لن تحدده قدرتها على محاصرة تنظيم، بل قدرتها على الوفاء بالمبادئ التي تعلنها، واحترام حق الآخرين في الاختلاف والتنظيم والمشاركة.
فقد يكون أخطر ما يواجه الحضارات ليس خصومها في الخارج، وإنما اللحظة التي تبدأ فيها بالتخلي عن قيمها خوفًا من هؤلاء الخصوم.
وهذه رسالة إلى الإخوان بأن يستعيدوا دورهم الحضاري ومشروعهم الإصلاحي لإعمار الكون وإسعاد البشرية بالإسلام.