من المؤسف أن يتحول بعض الإعلاميين إلى أبواق تطالب رئيس الجمهورية بتعديل الدستور أو تغيير نصوصه، وكأن الدستور وثيقة قابلة للتفصيل على مقاس الأشخاص، أو ورقة تتغير قواعدها وفقاً لرغبات من يجلسون على مقاعد السلطة!
وهنا يجب أن نقول بوضوح: الدستور ليس ملكاً للرئيس، ولا للحكومة، ولا للإعلاميين، وإنما هو عقد بين الدولة والشعب، واحترامه هو احترام لهيبة الدولة ذاتها.
فالدول الديمقراطية لا تُقاس بمدة بقاء الحاكم، وإنما بقدرتها على تجديد قياداتها وتداول السلطة، وفتح المجال أمام رؤى جديدة ووجوه جديدة وبرامج مختلفة. فالرئيس يأتي والرئيس يرحل، لكن الدولة تبقى، والدستور يستمر، والمؤسسات لا تُختزل في أشخاص.
والأرقام هنا أبلغ من الخطب والشعارات.
في عام 2014 كان الدولار يدور حول 7.15 جنيه، بينما تجاوز 56 جنيهاً في أكتوبر 2026. ووصلت أسعار البنزين في مارس 2026 إلى 20.75 جنيهاً لبنزين 80، و22.25 جنيهاً لبنزين 92، و20.5 جنيهاً للسولار.
أما التضخم الحضري، فرغم تراجعه عن ذروته التي بلغت نحو 38% في 2023، فإنه سجل 13.9% في سبتمبر 2026. وهذا لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني أن الأسعار ما زالت ترتفع بوتيرة أبطأ.
وفي ملف الفقر، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدل الفقر القومي بلغ 33.5% في 2021/2022، كما ارتفع الفقر وفق خط الفقر الدولي للدول متوسطة الدخل بنحو خمس نقاط مئوية بين عامي 2022 و2024.
هذه ليست أرقاماً في جداول حكومية، بل حكايات ملايين المصريين الذين يواجهون أعباء المعيشة، ويبحثون عن حياة كريمة وفرصة عمل ودخل يكفي احتياجات أسرهم.
فإذا كانت هذه حصيلة سنوات من السياسات، فلماذا نخشى التغيير؟ ولماذا يصبح الحديث عن تداول السلطة أمراً مزعجاً للبعض؟
إن مصر ليست فقيرة في الرجال ولا في الكفاءات ولا في العقول. ولو فُتح المجال السياسي أمام منافسة حقيقية، فقد نجد عشرات ومئات القادرين على الترشح وطرح برامج بديلة. فالرئاسة ليست امتيازاً أبدياً، ولا حكراً على شخص، وإنما مسؤولية وطنية يتنافس عليها من يملك الرؤية والقدرة ويحظى بثقة الشعب.
والأهم أن دستور 2014 نفسه لم يترك هذه المسألة للاجتهاد؛ فالمادة الأولى تقرر أن نظام الدولة جمهوري ديمقراطي يقوم على المواطنة وسيادة القانون، والمادة الخامسة تنص صراحة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الإنسان والحريات.
ومن هنا، فإن المطالبة بتعديل الدستور لمجرد استمرار شخص في الحكم لا يمكن اعتبارها دفاعاً عن الدولة، بل تفتح باباً خطيراً للتعامل مع الدستور باعتباره نصاً قابلاً للتغيير كلما تعارض مع رغبة أصحاب المصالح.
وقد أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي أنه لا مساس بالدستور، وإذا كان هذا هو الموقف المعلن، فعلينا أن ننتقل من جدل تعديل الدستور إلى الاستعداد الجاد لمرحلة ما بعد الرئيس، من خلال بناء حياة سياسية حقيقية، وإطلاق الحريات، واحترام القانون، وضمان المنافسة العادلة، وتمكين الأحزاب والقوى الوطنية من ممارسة دورها.
لسنا في حاجة إلى رئيس يبقى إلى الأبد، بل إلى دولة تستطيع أن تستمر وتتقدم مهما تغير الرئيس.
فمصر أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأهم من حسابات المنتفعين.
والرسالة التي يجب أن تصل للجميع هي:
احترموا الدستور الذي أقسمتم على احترامه، ولا تطالبوا بتغييره كلما اقترب موعد تطبيق قواعده. فالديمقراطية ليست أن نختار متى نلتزم بالدستور، وإنما أن نلتزم به حتى عندما لا تتفق قواعده مع رغباتنا







