حذرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان من اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة في النزاع، بالتزامن مع تصاعد الانتهاكات ضد المدنيين وتزايد الهجمات على البنية التحتية الحيوية، مؤكدة أن التطورات الأخيرة تنذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية في مناطق عدة من البلاد.

وقالت البعثة، في تقرير جديد بشأن الأوضاع في مدينة الأبيض ومناطق أخرى، إن المدنيين لا يزالون عالقين بين العنف واسع النطاق والحرمان من الخدمات الأساسية والقيود المتزايدة على الحريات، وسط استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

وأشارت إلى أن مدينة الأبيض، التي يبلغ عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة، لا تزال مطوقة جزئيًا من جانب قوات الدعم السريع، فيما تسببت ضربات بطائرات مسيّرة منسوبة إلى القوات في سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين وإلحاق أضرار بالمدارس ومواقع النزوح ومنشآت مدنية.

وأضافت أن الهجمات أدت كذلك إلى تعطيل خدمات الرعاية الصحية والكهرباء والمياه، في وقت قالت فيه البعثة إن القوات الأمنية التابعة للجيش السوداني صعّدت عمليات المراقبة والاعتقالات التعسفية داخل المدينة.

تحقيقات في هجمات النيل الأزرق وأبيي والحدود المصرية

وأوضحت البعثة أنها تحقق في سلسلة من الحوادث الأخيرة، بينها هجمات دامية في ولاية النيل الأزرق، وضربة بطائرة مسيّرة في أبيي أفادت تقارير بأنها أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين.

كما تحقق البعثة في هجمات وقعت بالقرب من الحدود السودانية المصرية، وأفادت تقارير بأنها أدت إلى مقتل عشرات من عمال التعدين الحرفي.

وقال رئيس بعثة تقصي الحقائق محمد شاندي عثمان إن الوضع في الأبيض والمناطق المحيطة بها لا يزال بالغ الخطورة، محذرًا من استمرار ارتفاع خطر وقوع فظائع بحق المدنيين.

وأضاف أن التطورات في النيل الأزرق وأبيي والمناطق القريبة من الحدود المصرية تعكس اتساع النزاع جغرافيًا وتطوره تكنولوجيًا، بما يزيد المخاطر التي يتعرض لها السكان.

تحذيرات من جرائم حرب

وأعربت البعثة عن قلقها من تكرار هجمات الطائرات المسيّرة المنسوبة إلى قوات الدعم السريع ضد مناطق سكنية ومدارس ومواقع للنازحين ومنشآت أساسية، معتبرة أن بعض هذه الهجمات قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب.

وفي المقابل، خلص التقرير إلى أن نشر أفراد من القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها داخل الأحياء السكنية أدى إلى زيادة المخاطر التي يتعرض لها المدنيون.

وقالت البعثة إن طرفي النزاع وحلفاءهما فرضوا قيودًا على العمل الإنساني من خلال الهجمات والعوائق البيروقراطية والعسكرة والقيود على الوصول إلى السكان المحتاجين للمساعدات.

اعتقالات وتعذيب في الأبيض

ووثق التقرير ما وصفه بتقلص مقلق للحيز المدني في الأبيض، مشيرًا إلى تعرض مدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في المجال الإنساني ومحامين ونقابيين وقيادات مجتمعية ومدنيين يُنظر إليهم باعتبارهم منتقدين للسلطات للمراقبة والتهديد والترهيب والاحتجاز التعسفي.

وقالت البعثة إنها تلقت روايات وصفتها بالموثوقة بشأن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والتعذيب وسوء المعاملة ووقوع وفيات أثناء الاحتجاز، إلى جانب ادعاءات بارتكاب عنف جنسي ضد محتجزات، مشيرة إلى أن هذه الممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب.

وقالت عضوة البعثة منى رشماوي إن سكان الأبيض يعيشون في خوف مستمر من هجمات المسيّرات ومن عسكرة المدينة وحملات الاعتقال التعسفي.

وأضافت أن آلاف الأشخاص اعتُقلوا بواسطة خلايا أمنية تابعة للقوات المسلحة السودانية، وتعرض بعضهم للاحتجاز والتعذيب في مواقع غير رسمية وفي سجن الأبيض المركزي، مطالبة بوقف هذه الممارسات والسماح للجهات المستقلة بالوصول إلى أماكن الاحتجاز.

شبكات خارجية تغذي الحرب

وحذرت البعثة من أن استمرار تقلص الحيز المدني يضعف المساءلة وحماية السكان ويهدد فرص الوصول إلى حوار سوداني شامل لإنهاء النزاع.

وأكدت أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تتحملان المسؤولية الرئيسية عن الدمار والانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى دور جهات خارجية في تأجيج النزاع واستمراره.

وقالت إن تحقيقاتها السابقة أظهرت أن أطرافًا خارجية قدمت إمدادات ومساعدات لطرفي الحرب، ما ساهم في استمرار العمليات العسكرية وزيادة الاعتماد على الطائرات المسيّرة ومنظومات الأسلحة المتطورة.

كما رصدت البعثة شبكات عابرة للحدود تعمل في عدة دول وأسهمت في دعم العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع عبر نقل أسلحة ومعدات عسكرية وتكنولوجيا مرتبطة بالطائرات المسيّرة، إلى جانب الدعم اللوجستي والأفراد الأجانب.

دعوة لوقف تدفق الأسلحة والمقاتلين

وجددت بعثة تقصي الحقائق دعوتها جميع أطراف النزاع إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحماية المدنيين والمنشآت المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة ومن دون عوائق.

كما طالبت بوقف الاحتجاز التعسفي والتعذيب والأعمال الانتقامية، ودعت الدول إلى اتخاذ إجراءات فعالة لمنع نقل الأسلحة والمقاتلين وأشكال الدعم الأخرى التي يمكن أن تسهم في ارتكاب انتهاكات وجرائم دولية في السودان.

وكان النزاع المسلح في السودان قد اندلع في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، قبل أن يمتد إلى مناطق واسعة من البلاد ويتسبب في أزمة إنسانية ونزوح واسع للسكان.