كثف صدام حفتر، نائب قائد قوات شرق ليبيا ونجل خليفة حفتر، تحركاته لحشد القبائل والقوى المحلية في إقليم فزان، في محاولة لمواجهة خطة تقودها حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس لإعادة تشكيل موازين القوى العسكرية والأمنية في الجنوب الليبي.
وتأتي تحركات حفتر بالتزامن مع مساعٍ من حكومة عبد الحميد الدبيبة لتشكيل قوة مشتركة في أقصى الجنوب، في منطقة شديدة الحساسية تمتد باتجاه حدود النيجر وتشاد والجزائر، وتضم طرقًا استراتيجية ومنشآت وقواعد عسكرية وحقولًا نفطية مهمة.
طرابلس تتحرك داخل مناطق نفوذ حفتر
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن التحركات الحالية لا تقتصر على تشكيل قوة عسكرية جديدة، بل تأتي ضمن منافسة متصاعدة بين طرابلس وقوات شرق ليبيا على النفوذ في فزان.
وخلال الأسابيع الأخيرة، بحثت حكومة الوحدة إمكانية تقديم دعم لقوات يقودها محمد وردكو، وهو قائد من التبو كان يعمل سابقًا ضمن المنظومة العسكرية التابعة لحفتر قبل أن ينقلب عليها ويؤسس مطلع 2026 «غرفة عمليات تحرير الجنوب».
وتواصل وردكو خلال الفترة الأخيرة مع مسؤولين في طرابلس، وسط تحركات لتوسيع الغرفة العسكرية التي يقودها عبر ضم شخصيات وقوى معارضة لسيطرة حفتر من شرق وغرب وجنوب ليبيا.
ومن بين الأسماء التي طُرحت في هذا السياق حسن الزادمة، القائد السابق للواء 128 التابع لقوات حفتر، والمنتمي إلى قبيلة أولاد سليمان، قبل أن يدخل في خلافات مع صدام حفتر.
قاعدة على حدود النيجر
وشملت التحركات أيضًا اتصالات مع النيجر، وسط بحث إمكانية الاستفادة من قاعدة «ماداما» الواقعة في شمال النيجر على بعد نحو 100 كيلومتر من الحدود الليبية.
وتتمتع القاعدة بموقع استراتيجي يسمح بالتحرك باتجاه أقصى جنوب ليبيا، وسبق أن استخدمتها القوات الفرنسية في عمليات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.
وكانت حكومة الوحدة قد وقعت في يونيو الماضي مذكرة تعاون عسكري مع النيجر، في خطوة عززت قنوات الاتصال بين طرابلس ونيامي، بالتزامن مع تصاعد التنافس على النفوذ في المنطقة الحدودية.
إمدادات وتحركات عسكرية في فزان
وشهدت المنطقة خلال الأسابيع الماضية تحركات عسكرية متبادلة، مع ورود تقارير عن وصول شحنات جوية إلى منطقة الويغ في أقصى الجنوب، قبل توزيعها على وحدات داخل فزان.
وفي المقابل، تحركت قوات تابعة لصدام حفتر لتعزيز مواقعها، ووصلت قوة من الكتيبة 87 خلال أكتوبر إلى المنطقة انطلاقًا من قاعدة أوباري، ضمن تحركات عسكرية مرتبطة بتأمين مواقع قوات شرق ليبيا.
وتكتسب مناطق الويغ والقطرون ومرزق أهمية خاصة بسبب قربها من طرق العبور باتجاه النيجر وتشاد، فضلًا عن دورها في السيطرة على حركة التجارة والهجرة وطرق تهريب الوقود والسلاح والمخدرات عبر الصحراء.
تمرد يضغط على نفوذ حفتر
وتواجه قوات حفتر منذ مطلع العام تحديًا متزايدًا في الجنوب بعد ظهور «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، التي شنت عدة هجمات على مواقع تابعة لقوات شرق ليبيا قرب الحدود.
وفي يوليو الماضي، تعرضت قاعدة جوية قرب الويغ لهجوم نفذته قوات الغرفة، وظهرت لاحقًا مشاهد لمقاتلين يسيطرون على مواقع عسكرية ويحتجزون عددًا من عناصر قوات حفتر.
كما شهدت منطقة القطرون خلال سبتمبر توترات بعد مقتل شاب يبلغ 17 عامًا في محطة وقود، ما أدى إلى احتجاجات واشتباكات مع قوات تابعة لحفتر.
القبائل تدخل معادلة الصراع
ويحاول صدام حفتر في ظل هذه التطورات إعادة تثبيت التحالفات القبلية التي اعتمدت عليها قوات والده لسنوات في فرض نفوذها على الجنوب.
وتشير تقارير إلى أن العلاقة بين قوات حفتر وبعض المكونات المحلية، خصوصًا أجزاء من قبيلة أولاد سليمان والتبو، تعرضت لاضطرابات خلال الفترة الماضية.
وكان حسن الزادمة، أحد أبرز القادة المنتمين إلى أولاد سليمان، يتولى قيادة اللواء 128 الذي كان يسيطر على مناطق واسعة وطرق حدودية باتجاه تشاد والسودان، قبل إبعاده على خلفية خلافات مع صدام حفتر واقترابه لاحقًا من معسكر طرابلس.
كما انشق محمد وردكو، المنتمي إلى التبو، عن منظومة حفتر وشكل قوة عسكرية مناوئة لها، ما أضاف ضغطًا جديدًا على نفوذ قوات شرق ليبيا في فزان.
سبها وحقول النفط في قلب المنافسة
وتعد سبها المركز الحضري واللوجستي الأهم في فزان، وتقع على بعد نحو 750 كيلومترًا جنوب طرابلس، فيما تمتد منها الطرق باتجاه مرزق والقطرون ومعبر تومو والحدود مع النيجر وتشاد.
ويضم الجنوب كذلك عددًا من أهم حقول النفط الليبية، وفي مقدمتها حقلا الشرارة والفيل، ما يجعل السيطرة الأمنية على فزان مرتبطة ليس فقط بالنفوذ العسكري، ولكن أيضًا بالمصالح الاقتصادية وطرق تصدير وإنتاج الطاقة.
مفاوضات بين صدام حفتر وطرابلس
وتتزامن المنافسة الميدانية في الجنوب مع مسار آخر أكثر تعقيدًا، إذ عقد صدام حفتر خلال أكتوبر مباحثات في تركيا مع عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، بشأن ترتيبات محتملة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وتضمنت التصورات التي جرى تداولها إنشاء قيادة عسكرية مشتركة وتوزيع رئاسات الأركان على أربع مناطق عسكرية تشمل الشرق والغرب والجنوب والوسط.
كما تحدثت تقارير عن إنشاء قوة عسكرية مشتركة تتولى تأمين الحدود الليبية، مع منح صدام حفتر دورًا في اختيار قيادات المنطقتين الشرقية والجنوبية، مقابل اختيار الجانب التابع لحكومة الوحدة قيادات الغرب والوسط.
ولم يصدر تأكيد رسمي نهائي من الأطراف المعنية بشأن اعتماد هذه الترتيبات بصورتها المتداولة.
«قوة حماية الجنوب»
وكان أحد المقترحات المطروحة خلال المباحثات إنشاء قوة مشتركة تحمل اسم «قوة حماية الجنوب»، تعمل تحت إشراف وزارة الدفاع.
وظهرت خلافات خلال المفاوضات بشأن الجهة التي ينبغي أن تخضع لها القيادة العسكرية الموحدة؛ إذ تمسك جانب طرابلس بارتباطها بوزارة الدفاع، بينما طُرحت من الجانب الآخر صيغة تمنح المجلس الرئاسي دورًا أكبر في الإشراف عليها.
وتكشف هذه التطورات عن مشهد معقد يجمع بين التفاوض على توحيد المؤسسة العسكرية من جهة، والتنافس الميداني على النفوذ والقبائل والقواعد والحدود في فزان من جهة أخرى.
لماذا فزان مهمة؟
تمثل فزان إحدى أهم أوراق القوة في الصراع الليبي بسبب مساحتها الشاسعة وحدودها مع دول الساحل، فضلًا عن وجود حقول النفط وطرق التجارة والهجرة والتهريب فيها.
وسمحت السيطرة على الجنوب لقوات حفتر خلال السنوات الماضية بتوسيع نفوذها خارج شرق ليبيا، لكن الانشقاقات القبلية والعسكرية الأخيرة، إلى جانب تحركات طرابلس تجاه النيجر والقوى المحلية المناوئة لحفتر، بدأت تفرض تحديات جديدة على هذا النفوذ.
وتشير محاولة صدام حفتر الحالية لحشد قبائل فزان إلى أن معركة النفوذ في الجنوب انتقلت إلى مرحلة جديدة، لا تعتمد على الانتشار العسكري وحده، وإنما على إعادة بناء التحالفات القبلية والمحلية والسيطرة على الممرات الحدودية، بالتزامن مع استمرار المفاوضات بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية الليبية.



