في 24 أكتوبر الماضي اختتم منتدى مصر أعماله في القاهرة، وقد استمر هذا المنتدى ستة أيام، نُوقش خلالها ثلاث عشرة قضية.

الأولى: ماذا نعلم أبناءنا وعلاقة ذلك بسوق العمل.

الثانية: الشباب والرياضة.

الثالثة، الثقافة والقيم الاجتماعية.

والرابعة، التنمية الحضارية العمرانية.

والخامسة: صحة المواطن.

السادسة: مصر الرقمية. السابعة: أمن الوطن والمواطن. الثامنة: منظومة الحماية الاجتماعية.

التاسعة: الأمن الغذائي وتوافر المياه.

العاشرة: الطاقة.

الحادي عشر: الاستثمار والصناعة وفرص العمل.

الثاني عشر: موارد النقد وإدارة الدين.

الثالث عشر: الابتكار وريادة الأعمال.

وبغض النظر عن عمومية بعض القضايا كقضية الشباب، أو خصوصية قضايا أخرى كإدارة الدَين، أو معالجة أجزاء من قضية دون باقي جوانبها كالتعليم وسوق العمل، إلا أن المنتدى خلا من أي نقاش حول قضايا حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير، وكيف يُمكن أن تحدث انفراجه في المجال العام، عوضًا عن الوضع الحالي، الذي يشهد حالة من الإنغلاق، تم التعبير عنه فيما يشبه موت السياسة في البلاد، اللهم إلا من بصيص من النور فتحه رئيس الجمهورية منذ أسبوعين، عندما أشار إلى عدم رغبته في الترشح مرة أخرى، أو تغيير الدستور؛ أملًا في إن يتاح له ذلك، عندما يحل موعد الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2030.

أجندة وضعتها الحكومة واختارت من يجادلها

واحد من أهم الأمور التي يُمكن أن تُذكر عند معرفة لماذا خلا المنتدى من أي حديث عن حقوق الإنسان، هو أن الحكومة لم تشأ أن تفتح هذا الملف على الإطلاق.

الحكومة وضعت موقعا إلكترونيًا أو تطبيقًا يخص المنتدى، وذكرت أن آلافًا مؤلفة من الناس تفاعلوا مع هذا الموقع، والكثير منهم وضع مداخلات وسجل مقترحات للخروج من الأزمة الراهنة، وبناءً على ذلك وضعت الحكومة القضايا، وقسمت النقاش في جلسات، على النحو السابق الإشارة إليه.

الأخطر من كل ذلك أن الحكومة اختارت من يجادلها، فوضعت عددًا من أسماء الشخصيات العامة المعروف أن أغلبها لا يدخل في نقاش ونقد ذي جدوى، كما اختارت بعض رؤساء الأحزاب الذين جاملتهم هي نفسها بوضعهم وأعضائهم في القوائم المطلقة في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ منذ انتخابات عام 15/2016 حتى اليوم، لضمان فوزهم بعضوية المجلسين، ما جعل المعارضة الحزبية المُستضافة في المنتدى تتداخل في السجال بشكل مهادن، ولا تأتي بأي تغيير جوهري في السياسات.

الرئيس يهمه فقط الشأنين الاقتصادي والاجتماعي

من ناحية أخرى، فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي كثيرًا ما عبر عن غضبه من أن منظمات حقوق الإنسان وبعض الدول الغربية المانحة تضغط على مصر في شأن ملفات حقوق الإنسان، وأن تلك الكيانات الدولية لا يهمها سوى الحقوق السياسية للمواطنين، دون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

من هنا عبرت الدولة مرارًا عن التأكيد على أهمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأنها أهم بكثير من أي أمور أخرى، لكونها ترتبط بالمساواة بين الناس في توزيع الخدمات كالتعليم والصحة، وفي الاهتمام بالدعم السلعي والعيني، وكذلك الأجور والتشغيل وجودة الاتصالات والمواصلات والنقل وغيرها من أمور.

من هنا كان استبعاد الحقوق السياسية للمواطنين من أجندة المنتدى لصالح الاهتمام بكل ما هو اقتصادي واجتماعي، ومن ثم إهمال الأمور التي من خلالها يبدأ طريق إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لكون الشأن السياسي يبدأ باختيار صناع القرار بشكل ديمقراطي، ومن ثم اختيار البدائل والبرامج الاقتصادية والاجتماعية ذات الشعبية المعبر عنها في صناديق الاقتراع.

المهم من كل ما سبق، أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ذات الطبيعة المُكلفة ماديًا، والتي كانت يُستبعد بسببها الشأن السياسي ذي الطبيعة المجانية، لم ينفذ من أجندتها إلا اليسير، وظل أكثر من ثلث الشعب المصري يرزح تحت خط الفقر والعوز، ومن ثم افتقد الكثير من المصريين للاحتياجات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على السواء.

ضيق المجال العام يُحتم إهمال الملف الحقوقي

إضافة إلى ذلك، فإن الناظر إلى طبيعة المجال العام في مصر ربما يُفسر لمتابع جلسات وأعمال المنتدى، لماذا تم إغفال الملف الحقوقي عن المنتدى.

فطوال أكثر من عقد ونيف من الزمان غابت المجالس المحلية، وهي مجالس ينظر إليها كل خبير في العلوم السياسية بأنها أول درجات سلم الديمقراطية والتجنيد السياسي.

في ذات الوقت أمعنت السلطة في المزيد من ندب القضاة للجهات غير القضائية، في تحد واضح للدستور الذي أوجب إيقاف هذا الندب، لكونه قد يُفسد السلطة القضائية، وقد يجعل أحكامها محل شك، عند نظر القضايا والدعاوى التي تكون السلطة التنفيذية طرف فيها.

كما أن الأصوات التي بحت للاستجابة لما طالب به الدستور من نشأة مفوضية لمنع التمييز وسن قانون لتداول المعلومات وسن قانون للعدالة الانتقالية وغيرها من أمور، كل ذلك ذهب أدراج الرياح، وقد تبعه بشكل آلي تقييد في مجال حرية الرأي والتعبير، وغلق المواقع الإلكترونية، وهيمنة شركة واحدة تابعة لمؤسسة من مؤسسات الدولة على الإعلام الفضائي، وسن قانون معيب للانتخابات يعتمد على تزوير إرادة الناخبين بحصول الحزب الذي يحصل على 51% على كل مقاعد البرلمان، وهو نظام انتخابي هجرته كافة دول العالم تقريبا.

لا شك أن الناظر إلى النظام الحزبي يعتريه شك كبير في جدوى عمل هذا النظام ذا الـ 100 حزب ويزيد في بلد لا يعرف سوى أربعة تيارات سياسية (يمين/ وسط/ يسار/ إسلامي).

النظام الحزبي الحالي، نظام مهترأ غير منظم الهياكل وغير مُحكّم وغير مُراقب من أجهزة الرقابة المالية، والأحزاب غير موجودة في الشارع، بدليل أنها لا تحظى على الأكثر إلا بعضوية مليون نسمة من إجمالي نحو 72 مليون نسمة هم أصحاب الحقوق المدنية والسياسية، ناهيك عن أن الكثير من تلك الأحزاب مرتبط بالسلطة، وفاقد للممارسة الديمقراطية في صنع القرار وفي انتخاب القيادات الحزبية.. إلخ.

بعد كل هذا الوضع كان من غير الممكن أن يكون للملف الحقوقي مكان في المنتدى.

الشعب يتحتم أن يرفع الروح المعنوية للحكومة!!

عندما تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي في جلسات المنتدى أشار إلى أن الهدف من المنتدى هو توضيح الحقائق للشعب، وليس النقاش بين الخبراء والمتخصصين، لأن هذا النقاش يمكن أن يتم في محفل أو مناسبات أخرى.

كما ذكر الرئيس أن هدف المنتدى هو رفع الروح المعنوية للحكومة.

من كل هذه التصريحات يتضح أن المنتدى لم يكن الهدف منه توجيه نقد للحكومة، أو مخالفتها، أو الاعتراض على مسلكها، ومن باب أولى لم يكن هناك أي تفكير في طرح بدائل أو وضع مقترحات أو حتى توصيات.

إذا كان هذا الأمر مرتبط بالشأن الاقتصادي والاجتماعي، فمن باب أولى أنه مرتبط بالشأن الحقوقي، الذي يستحيل في ظل تلك الأجواء أن يجد له مكانا، رغم أن الإصلاح في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي- كما ذكرنا- إصلاح مُكلف، مقارنة بالإصلاح المجاني للشأن الحقوقي.

لذلك كان الأمر عبارة عن مكلمة، كان من الممكن أن تتم دون تكلفة ونفقات يتحملها الشعب من موازنة الدولة لتنظيم هذا المنتدى الخاوي من مناقشة ملف حقوق الإنسان.

لقد كان من المهم من وجهه نظر السلطة هو الاستماع للأسباب التي أوصلت الدولة والمجتمع لهذا الكم الهائل من الانتهاكات الحقوقية، رغم أن أحداث يناير2011 قامت لذات السبب، وكذلك كيف وصلنا لهذا الحال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وماذا سعينا لتجنبه أو الحد من غلوائه، خاصة ما يرتبط بأزمة الدين الخارجي، وضعف التصنيع وتدهور وضع الميزان التجاري، والانخفاض المتكرر لقيمة العملة الوطنية، وعجز الموازنة، والاعتماد بالأساس على الطرق الريعية التقليدية للحصول على العملات الأجنبية، وسياسة البذخ بما في ذلك وصول الحد الأقصى للأجور لـ35 ضعف الحد الأدنى.. إلخ.

وضع أفضل في المنتدى القادم

عامة، وما دمنا على مقربة من انتخابات 2030 الرئاسية، وما دام أن ما وعد به الرئيس هو محل تنفيذ فيما يخص تداول السلطة، فإن المنتدى الذي وعدت به السلطة أن يكون عادة سنوية، يُرجح أن يكون أقوى من هذا المنتدى، حيث يتوقع أن يكون المجال العام أكثر رحابة، والبلاد قد قربت أكثر وأكثر من موضوع التغيير.

وحّد نبرة المقال واجعلها أكثر توازنًاقسّم المقدمة الطويلة إلى فقرات أوضحصحّح الأخطاء اللغوية والنحوية كلها