صوّتوا بجيوبهم: ما الذي قالته صناديق الثالث من نوفمبر، وما الذي ينتظر الديمقراطيين؟

استيقظت واشنطن صباح الأربعاء على خريطة لم يرسمها أكثر المتفائلين في الحزب الديمقراطي قبل عام. مجلس الشيوخ عاد إلى الديمقراطيين بعد أن انتزعوا سبعة مقاعد من الجمهوريين، والإسقاطات تضعهم عند 54 مقعداً مقابل 44. ومجلس النواب انتقل إليهم بأغلبية تقدّرها شبكة CBS بنحو 259 مقعداً، وهي الأوسع لحزب واحد منذ قرابة عشرين عاماً. وفي الولايات، صار للديمقراطيين أغلبية مناصب الحكام للمرة الأولى منذ ستة عشر عاماً، بعد أن انتزعوا أوهايو وتكساس وجورجيا وآيوا.

أرقام كهذه تغري بالاحتفال أو بالرثاء، بحسب موقع القارئ. أما من يعمل في تقدير المخاطر وقراءة الأسواق، فيعنيه سؤال آخر: ماذا تقول هذه النتائج عن مزاج الناخب الأمريكي، وماذا ستغيّر فعلاً في القرار الأمريكي خلال العامين المقبلين؟

الأسعار قبل الأيديولوجيا

قبل الحديث عن ترامب أو عن خصومه، لنقرأ رقمين. وفق استطلاعات الخروج التي نشرتها CBS، قال 89% من المقترعين إن تكاليف المعيشة كانت عاملاً رئيسياً أو حاسماً في تصويتهم، فيما هبطت شعبية الرئيس إلى 38%، وهو مستوى نادر لرئيس يدخل انتخابات نصفية. وقبل الاقتراع بشهرين، وجد استطلاع لمعهد كاتو، وهو مؤسسة تحررية لا يُتّهم بمحاباة الديمقراطيين، أن 74% من الأمريكيين يرون أن الرسوم الجمركية رفعت الأسعار، وأن 70% يعتقدون أن فرضها يحتاج إلى موافقة الكونغرس.

هنا مفتاح القراءة. الناخب الأمريكي لم يتحول فجأة إلى اليسار. هو ناخب أنهكته فاتورة البقالة وأقساط التأمين الصحي، ثم جاءت المواجهة مع إيران وارتداداتها على أسعار الوقود لتزيد الحمل. وحين يجتمع الغلاء مع إحساس بأن البيت الأبيض منشغل بمعارك أخرى، يعاقب الناخب من في السلطة. فعلها بالديمقراطيين عام 2010، وبالجمهوريين عام 2018، ويفعلها اليوم بقسوة أشد.

الشقوق في المعاقل

اللافت أن الخسارة الجمهورية لم تقف عند حدود الولايات المتأرجحة. في تكساس هزم جيمس تالاريكو، النائب الشاب في برلمان الولاية، كين باكستون، لينهي احتكاراً جمهورياً لمقاعد الولاية في مجلس الشيوخ دام أكثر من ثلاثة عقود. وفي آيوا، التي حملت ترامب بفارق 13 نقطة قبل عامين، ذهب منصب الحاكم ومقعد مجلس الشيوخ معاً إلى الديمقراطيين. وفي أوهايو هزمت الطبيبة إيمي أكتون رجل الأعمال فيفيك راماسوامي، لتصبح أول امرأة تُنتخب حاكمة للولاية. وفي ميشيغان فاز عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يدخل المجلس، وهي سابقة ستُقرأ في منطقتنا بعين مختلفة.

حين يخسر حزب في معاقله، فالمسألة تتجاوز حملة سيئة هنا أو مرشحاً ضعيفاً هناك. القاعدة الاجتماعية نفسها بدأت تتشقق، والتحالف الذي أوصل ترامب إلى البيت الأبيض مرتين أثبت أنه قابل للتفكك حين يصل الألم الاقتصادي إلى جيوب ناخبيه.

ماذا سيتغيّر في السياسات؟

لنكن دقيقين. الكونغرس الجديد لا يتسلم مهامه قبل الثالث من يناير 2027، وترامب يبقى رئيساً بصلاحيات تنفيذية واسعة وحق نقض لا يملك الديمقراطيون أغلبية الثلثين لتجاوزه. لن يشرّعوا رغماً عن الرئيس. لكنهم سيمسكون بأربع أدوات ثقيلة:

المال. لا موازنة ولا تمويل حكومي دون مجلس النواب. أولويات الإدارة، من تمويل إنفاذ قوانين الهجرة إلى الإنفاق الدفاعي، ستمر الآن عبر طاولة تفاوض لم تكن موجودة.

التعيينات. مجلس الشيوخ سيقرر مصير مرشحي الرئيس للقضاء الفيدرالي والمناصب الوزارية والسفارات. عملياً، انتهت مرحلة ملء المحاكم بقضاة محافظين دون عوائق، وأي شغور في المحكمة العليا سيتحول إلى معركة كبرى.

الرقابة. لجان التحقيق وصلاحيات الاستدعاء تنتقل إلى الديمقراطيين. وقد اختصر النائب روبرت غارسيا، كبير الديمقراطيين في لجنة الرقابة، مزاج حزبه ليلة الانتخابات بكلمتين موجهتين إلى مسؤولي الإدارة: “استعدّوا بالمحامين”.

الصلاحيات المنسية: التجارة والحرب. الدستور يمنح الكونغرس سلطة فرض الرسوم وإعلان الحرب، وقد تنازل عنها تدريجياً لصالح الرؤساء من الحزبين. اليوم توجد أغلبية قادرة على تمرير قرارات تقيّد الرسوم الجمركية وتلزم الإدارة بالعودة إلى الكونغرس قبل أي تصعيد عسكري، حتى لو اصطدمت بفيتو رئاسي. القيمة هنا سياسية قبل أن تكون قانونية: إجبار الجمهوريين على التصويت علناً في قضايا يرفضها ناخبوهم، قبل عامين من الانتخابات الرئاسية.

العالم ومنطقتنا

السياسة الخارجية الأمريكية تبقى في يد الرئيس إلى حد بعيد، ومن الخطأ أن تنتظر العواصم انقلاباً فيها. لكن ثلاثة أمور ستتغير. صفقات السلاح الكبرى تمر بمراجعة الكونغرس، ومجلس شيوخ ديمقراطي سيطرح أسئلة أكثر حول مبيعات السلاح إلى الشرق الأوسط وشروطها. وملف إيران سيخضع لرقابة تشريعية أشد على أي خطوة تصعيدية. أما الحلفاء في أوروبا وآسيا، ومعهم شركاء الخليج، فسيقرؤون النتيجة تذكيراً بأن ما يقرره البيت الأبيض اليوم قد لا يصمد بعد 2028.

ومن واقع العمل مع مستثمرين وصناع قرار في الخليج، أقولها بوضوح: من بنى علاقته مع واشنطن عبر بوابة واحدة هي البيت الأبيض، عليه أن يوسّع دائرته الآن. الكونغرس عاد لاعباً، ومن يتجاهله سيدفع الثمن في ملفات السلاح والاستثمار والعقوبات.

امتحان الديمقراطيين: خمس مهام لا تحتمل التأجيل

الخطر الأكبر على الديمقراطيين اليوم أن يسيئوا قراءة ما حدث. استطلاعات العام الماضي أظهرت أن ثقة الأمريكيين بالحزب الديمقراطي نفسه ضعيفة، حتى بين من كانوا ينوون التصويت له. الناخب عاقب الجمهوريين، ولم يمنح الديمقراطيين شيكاً على بياض. من هنا أرى خمس مهام:

  1. أن يحكموا بالأسعار. على مجلس النواب أن يرسل إلى مكتب الرئيس، في أشهره الأولى، تشريعات بسيطة يفهمها الناس: خفض أقساط التأمين الصحي، وأسعار الأدوية، وتقييد الرسوم على السلع الأساسية. إن وقّعها ترامب تحقق للناس شيء ملموس، وإن نقضها فقد اختار بنفسه أن يقف ضد ما صوّتوا من أجله.
  2. رقابة بلا انتقام. الإغراء كبير لتحويل اللجان إلى منصات لمحاكمة الإدارة، وأصوات العزل ستعلو. لكن الأمريكيين لم يصوّتوا لعامين من الاستعراض. الرقابة المؤسسية الجادة، التي توثّق وتصحّح وتعيد الاعتبار لأجهزة التفتيش المستقلة، أبعد أثراً من أي جلسة صاخبة.
  3. استعادة صلاحيات الكونغرس بقواعد تُلزمهم هم أيضاً. إذا قيّدوا سلطة الرئيس في فرض الرسوم وشنّ العمليات العسكرية، فليكن ذلك بنصوص تسري على أي رئيس قادم، بمن فيهم رئيس ديمقراطي. هذا وحده ما يمنح حديثهم عن المؤسسات مصداقية.
  4. حماية الخيمة الواسعة. انتصار هذه الليلة جمع وجوهاً شديدة الاختلاف: حاكماً سابقاً معتدلاً مثل روي كوبر في كارولينا الشمالية، ونائباً شاباً تقدمياً مثل تالاريكو في تكساس، وطبيبة صنعت اسمها في أزمة الجائحة في أوهايو. الحزب يربح حين يترك لكل ولاية أن تختار مرشحها الذي يشبهها، ويخسر حين يغرق في حروب الهوية الداخلية.
  5. طمأنة العالم دون أوهام. على قادة الكونغرس الجديد أن يقولوا للحلفاء إن المؤسسات الأمريكية ما زالت تعمل، من دون أن يعدوا بما لا يملكونه. الشراكات تُبنى على توقعات واقعية، والإفراط في الوعود اليوم سيرتد عليهم غداً.

كلمة أخيرة

هنأ ترامب الديمقراطيين، ثم قال إن النتيجة ليست رفضاً لرئاسته. وفي حجته شيء من الصحة التاريخية: حزب الرئيس يخسر في الانتخابات النصفية في الغالب، وقد خسر أوباما مجلس النواب عام 2010 ثم فاز بولاية ثانية بعد عامين. الموجة لا تضمن ما بعدها.

لكن حجم الخسارة وجغرافيتها يقولان أكثر من القاعدة التاريخية. وأمام الديمقراطيين عامان سيكتبون فيهما واحدة من قصتين: حزب استعاد ثقة الناس لأنه أصلح شيئاً في حياتهم اليومية، أو حزب ركب غضب الناخبين ثم أهدره. صناديق الثالث من نوفمبر سلّمتهم المفاتيح، والناخب سيحكم في المرة القادمة على ما فتحوه بها.