شهد حي الزمالك بالقاهرة، في 6 نوفمبر عام 1944، واحدة من أبرز عمليات الاغتيال السياسي خلال فترة الحرب العالمية الثانية، عندما اغتال عنصران من منظمة «ليحي» الصهيونية اللورد موين، الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط، أمام مقر إقامته، في حادث أثار أزمة سياسية واسعة بين بريطانيا والحركة الصهيونية.

وجاء اغتيال اللورد موين في وقت كانت فيه فلسطين تشهد تصاعدًا في المواجهات بين سلطات الانتداب البريطاني والتنظيمات الصهيونية المسلحة، وسط خلافات بشأن الهجرة اليهودية ومستقبل الأراضي الفلسطينية.

من هو اللورد موين؟

وُلد والتر إدوارد غينيس، المعروف بلقب اللورد موين الأول، في 29 مارس 1880، وكان سياسيًا بريطانيًا تولى عددًا من المناصب الحكومية، من بينها وزير المستعمرات، قبل تعيينه وزيرًا مقيمًا لبريطانيا في الشرق الأوسط عام 1944، واتخذ من القاهرة مقرًا لعمله.

وعُرف موين بمواقفه المتحفظة تجاه المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية إلى فلسطين، إذ رأى أن الأراضي الفلسطينية لا تستطيع استيعاب جميع اليهود الأوروبيين الباحثين عن وطن بعد الاضطهاد النازي.

وأثارت هذه المواقف غضب التنظيمات الصهيونية المتشددة، التي اعتبرته عقبة أمام طموحاتها السياسية في فلسطين.

منظمة «ليحي» والتخطيط للاغتيال

برزت منظمة «ليحي»، المعروفة أيضًا باسم «عصابة شتيرن»، باعتبارها إحدى التنظيمات الصهيونية المسلحة التي نفذت عمليات عنف ضد الوجود البريطاني في فلسطين.

وتأسست المنظمة على يد أبراهام شتيرن، الذي قُتل على يد الشرطة البريطانية عام 1942، قبل أن يتولى عدد من قادتها، ومن بينهم إسحاق شامير، مواصلة نشاطها المسلح.

وكان شامير أحد أبرز قيادات المنظمة، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل السياسي في إسرائيل، ويتولى رئاسة الكنيست عام 1977، ثم وزارة الخارجية عام 1980، وصولًا إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

وفي ظل تصاعد الخلافات مع السلطات البريطانية، قررت منظمة «ليحي» استهداف اللورد موين في القاهرة، باعتباره أحد المسؤولين البارزين عن السياسة البريطانية في المنطقة.

تفاصيل اغتيال اللورد موين في الزمالك

في السادس من نوفمبر عام 1944، نفذ إلياهو حكيم وإلياهو بيت زوري، وهما عضوان في منظمة «ليحي»، عملية اغتيال اللورد موين أمام مقر إقامته في حي الزمالك بالقاهرة.

وكان موين عائدًا إلى منزله عندما تعرض لإطلاق النار، كما قُتل سائقه العسكري البريطاني خلال الهجوم.

وحاول منفذا العملية الفرار من موقع الحادث، إلا أن الشرطة المصرية تمكنت من ملاحقتهما والقبض عليهما.

الشرطي المصري عبد الله ودوره في القبض على المنفذين

برز خلال الحادث دور الشرطي المصري عبد الله، الذي شارك في مطاردة منفذي الاغتيال، وأسهم في القبض عليهما قبل تمكنهما من الهرب.

وتشير روايات صحفية مصرية عن الواقعة إلى أن الشرطي كان يؤدي نوبة أمنية في الزمالك بدلًا من أحد زملائه عندما وقع الهجوم.

وقد حظي دوره باهتمام الصحافة المصرية آنذاك، التي أشادت بسرعة تحرك الشرطة ونجاحها في ضبط المتهمين، في حادث كان يمكن أن يثير توترات إضافية بين السلطات المصرية والبريطانية.

محاكمة المنفذين وإعدامهما في القاهرة

عقب القبض على إلياهو حكيم وإلياهو بيت زوري، أُحيلا إلى المحاكمة أمام القضاء المصري بتهمة قتل اللورد موين.

وصدر حكم بإعدامهما، ونُفذ الحكم في القاهرة يوم 22 مارس 1945، بعد أشهر من عملية الاغتيال.

وأثارت القضية اهتمامًا دوليًا واسعًا، خصوصًا في بريطانيا وفلسطين، بسبب طبيعة العملية والجهة التي أعلنت مسؤوليتها عنها.

تداعيات الاغتيال على بريطانيا والحركة الصهيونية

أثار اغتيال موين غضب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، الذي كانت تربطه باللورد موين علاقة سياسية وشخصية وثيقة.

وأدت العملية إلى توتر العلاقات بين الحكومة البريطانية وقيادات الحركة الصهيونية، في وقت كانت فيه الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، وتتصاعد الخلافات حول مستقبل فلسطين.

كما كشفت العملية عن اتساع نشاط التنظيمات الصهيونية المسلحة خارج الأراضي الفلسطينية، ووصول عملياتها إلى العاصمة المصرية.

ذكرى حادث ترك بصمته في تاريخ القاهرة

وبعد مرور 82 عامًا على اغتيال اللورد موين، تظل أحداث 6 نوفمبر 1944 محطة بارزة في تاريخ الصراع على فلسطين، ودليلًا على امتداد المواجهة بين التنظيمات الصهيونية المسلحة والسلطات البريطانية إلى خارج حدود فلسطين.

وتبقى واقعة الزمالك مرتبطة أيضًا بدور الشرطة المصرية في القبض على منفذي العملية وتقديمهما للمحاكمة، في واحدة من أشهر قضايا الاغتيال السياسي التي شهدتها القاهرة خلال أربعينيات القرن العشرين.