قُتل أحد مرتبات الأمن العام إثر تعرضه لاعتداء بأداة حادة في شارع المدينة المنورة بالعاصمة. ووفق المعلومات الواردة، حاول المعتدي الاستيلاء على سلاح رجل الأمن، قبل أن يتدخل عنصر أمني آخر ويحيّده بعد اشتباك بالأيدي، فأصيب إصابة طفيفة. وأُفيد بالعثور على أسلحة بيضاء وخنجرين بحوزة المنفذ، فيما نُقل رجل الأمن والمعتدي إلى المستشفى، وفُرض طوق أمني وأُغلق شارع المدينة المنورة باتجاه الدوار السابع.
خطورة الحادثة واضحة، لكن دوافعها وصلتها بتنظيم أو جهة سياسية لا تزال غير محسومة.
ووصفها بأنها «عملية إرهابية» دون إعلان كامل عن المنفذ ومن يقف وراءه يبقى توصيفًا أوليًا إلى أن تكشف التحقيقات الأدلة والنتائج.
وعلى الجهات الأمنية المختصة التي نثق بها أن تعلن ما يمكن إعلانه بشفافية، وتوضح تسلسل الأحداث، وكيف جرت محاولة الاستيلاء على السلاح، وما إذا كانت هناك مؤشرات أو ثغرات أمنية سابقة. فحماية التحقيق لا ينبغي أن تتحول إلى تكتم يترك المجال للشائعات.
والسؤال ما علاقة حادثة عمّان بهجوم كنيسة الكرك؟ إذا ما عرفنا أن الشهداء في الحالتين مسيحيون، فهل هي مصادفة؟
لقد وقعت حادثة عمّان بعد أسابيع من الهجوم المسلح على كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، في ٢٣ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦. وأفادت التقارير بمقتل ٩ أشخاص وإصابة العشرات، ثم أُعلن عن توقيف مشتبه بهم ووجود صلات محتملة بجماعات مسلحة خارج الأردن. هذا التتابع يثير أسئلة مشروعة بشأن مستوى التهديد الأمني، لكنه “لا يثبت وحده وجود رابط بين الحادثتين” حتى الآن.
ولا يصح اعتبار اعتداء عمّان امتدادًا لهجوم الكنيسة ما لم تثبت التحقيقات صلة المنفذ بالمتهمين أو الشبكات ذاتها.
وتكشف حادثة الكرك، مثل حادثة قلعة الكرك عام ٢٠١٦، أن التطرف المسلح خطر حقيقي لا يقتصر على مدينة أو فئة بعينها.
لكن التمييز ضروري بين جماعات العنف المتطرف وبين الحركات الإسلامية السياسية أو الاحتجاجات السلمية؛ فلا يجوز تعميم المسؤولية أو اتهام جماعات كاملة من دون أدلة محددة.
ماذا تقول التجربة المصرية؟
ولكن وبسبب أسبقيات تاريخية يتساءل البعض: ماذا تقول التجربة المصرية؟
شهدت مصر خلال العقود الماضية موجات مختلفة من العنف، ولا يصح اختزالها في مواجهة واحدة بين «الإسلاميين» والدولة.
ففي التسعينيات، خاضت جماعات مسلحة، بينها الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، مواجهات دامية مع الدولة، وبلغ العنف ذروته في مجزرة الأقصر في ١٧ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٩٧، حين قُتل ٥٨ سائحًا وأربعة مصريين. واجهت السلطات تلك الجماعات بحملات أمنية ومحاكمات، ثم تراجعت أعمال العنف بعد مراجعات فكرية أعلنتها قيادات من الجماعة الإسلامية أواخر التسعينيات.
وبعد عزل الرئيس محمد مرسي في ٣ تموز/يوليو ٢٠١٣، تصاعد العنف السياسي. وشهدت مصر في ٨ تموز/يوليو ٢٠١٣ مواجهات دامية قرب دار الحرس الجمهوري، ثم تلتها في ١٤ آب/أغسطس ٢٠١٣ هجمات على أقسام شرطة ومنشآت عامة وكنائس في عدد من المحافظات.
وفي سيناء، تصاعدت هجمات جماعات مسلحة على قوات الأمن، ولا سيما خلال الأعوام التالية. واجهت السلطات ذلك بحملات ومداهمات وعمليات عسكرية واسعة، إلى جانب محاكمات وإجراءات أمنية مشددة.
وهذه وقائع متباينة في أطرافها وسياقاتها؛ فلا يصح وصف جميع المشاركين في احتجاجات ٢٠١٣ بأنهم متطرفون مسلحون، ولا اعتبار كل عنف وقع آنذاك صادرًا عن جهة واحدة.
هل انتقلت المواجهة من مصر إلى الأردن؟
فهل يمكن القول والاستشهاد أن المواجهة انتقلت من مصر إلى الأردن؟ أو قادمة في الطريق؟
لا تكفي المقارنة بين مصر والأردن للقول إن الحالة المصرية «انتقلت» إلى الأردن، ولا توجد في الوقائع المذكورة وحدها أدلة تثبت انتقال تنظيم أو قيادة أو خطة من مصر إلى حادثة عمّان، لكن التنظيمات المسلحة والأفكار الإرهابية متواصلة ومتنقلة بين الدول العربية وتمضي بثبات دون عقوبات، بدليل أن مطلوبًا إرهابيًا أصبح رئيسًا لدولة ومتطرفًا أصبح نائبًا وغيرها من أحداث حول العالم.
ولكن للأردن سياقه الأمني الخاص، وأجهزته الأمنية القادرة والقوية، وقد يتأثر بمخاطر إقليمية وبأفكار وشبكات عابرة للحدود، لكن إثبات أي صلة يحتاج إلى أدلة معلنة وتحقيق مستقل.
المقلق أن تقع حادثة أمنية خطيرة في العاصمة بعد هجوم دامٍ في الكرك؛ وهذا يستدعي مراجعة الاستعداد الأمني وتبادل المعلومات وحماية المواقع والأفراد، لا القفز إلى إعلان أن الأردن دخل مواجهة مفتوحة مع الإسلاميين.
فالحركة الإسلامية السياسية التي مفترض أن أُغلقت مكاتبها وتم تجريمها وإعلانها حركة غير شرعية ليست مرادفًا للتطرف، كما أن وقوع اعتداء لا يثبت وحده دوافعه السياسية أو التنظيمية.
دور الحكومة الأردنية والمحاسبة
وهنا يأتي دور الحكومة الأردنية والمحاسبة، حيث يرى كثيرون أن رحيل الحكومة الحالية بكامل طاقمها وتغييرها بات مستوجبًا، مستندين إلى تتابع الأزمات، والقلق من الثغرات الأمنية، وضعف التواصل الرسمي، وعدم وضوح المسؤولية السياسية عن الإخفاقات وغياب الشفافية والإنجاز وغيرها من الأمور. وهذه أسباب وجيهة لفتح نقاش عام ومساءلة الحكومة برلمانيًا دون مجاملة لرئيسها أو أي من أعضائها، لكنها أيضًا لا تجعل رحيلها نتيجة تلقائية أو دليلًا على تقصير محدد في حادثة لا يزال التحقيق فيها جاريًا.
المطلوب أن تُطبّق الحكومة عمليًا مبدأ أن “لا مسؤول فوق المحاسبة”، وإعلان نتائج التحقيق بالقدر الذي لا يضر بسيره، وتحديد أي تقصير إن ثبت، ومحاسبة المسؤولين عنه، وبيان ما سيتغير لمنع تكرار الحوادث.
وإذا عجزت الحكومة عن تقديم إجابات مقنعة لمجلس النواب أو عن تحمل مسؤولية الإخفاقات التي تثبتها التحقيقات، فسيكون مطلب رحيلها أقوى سياسيًا وقانونيًا.
أما الآن، فالأولوية للحقيقة والمساءلة، لا لاستباق التحقيق أو توظيف الحادثة لتوجيه اتهامات بلا سند.
حمى الله الأردن من الظلم والظالم، ومن الإرهاب والفكر التكفيري الذي أصبح سرطانًا منتشرًا ومجال جدل واسع النطاق يحتاج إلى “سحب العصب” بيد رئيس مجلس النواب المنتخب منذ أيام والمجلس الكريم، فلا هوادة ولا غيره ولا رحمة ولا شفقة مع كل من يمد يده على رجال الأمن وكل من يهدف إلى زعزعة الاستقرار.







