استقر نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر في منطقة الانكماش خلال شهر أكتوبر، بالتزامن مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة بأسرع وتيرة لها في أربعة أشهر. وظل مؤشر مديري المشتريات الصادر عن مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال عند 47.2 نقطة، دون تغيير عن قراءة شهر سبتمبر، ليستمر دون مستوى 50.0 نقطة الفاصل بين التوسع والانكماش للشهر العاشر على التوالي، وأقل من المتوسط طويل الأجل للمؤشر البالغ 48.2 نقطة.

وعادت معدلات التوظيف إلى الانخفاض، في حين تراجعت ثقة الشركات إلى أدنى مستوى لها في سبعة أشهر، وفقا لأحدث تقرير (بي دي إف) صادر عن مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال.

ويعود السبب في عدم تراجع القراءة الإجمالية للمؤشر بشكل أكبر إلى تأثير العوامل المتعلقة بجانب العرض وليس الطلب؛ إذ سجلت فترات تسليم المشتريات من قبل الموردين أطول مدة لها منذ شهر يونيو، وبنت الشركات مخزونات احتياطية لأول مرة في أربعة أشهر. ورغم أن كلا العاملين يرفعان من قراءة المؤشر، إلا أن “كليهما عكس اضطرابات الإمداد والمخاوف من التضخم، بدلا من قوة الطلب”، حسبما أوضح ديفيد أوين، الخبير الاقتصادي الأول لدى ستاندرد أند بورز جلوبال.

وقلصت الشركات مشترياتها من مستلزمات الإنتاج بحدة مع تراكم التأخيرات بسبب اضطرابات الشحن البحري، ونقص المواد الخام، وبطء الإجراءات الجمركية.

كما تفاقمت ضغوط التكلفة؛ إذ وصل معدل تضخم أسعار مستلزمات الإنتاج إلى أعلى مستوى له في خمسة أشهر، وعزت الشركات ذلك إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة والشحن وضعف سعر صرف الجنيه مقابل الدولار.

وارتفعت أسعار البيع بأسرع وتيرة منذ يونيو، وهو ما يراه أوين علامة على أن التراجع الأخير في معدلات التضخم الرسمية ربما يكون قصير الأجل.

وجاء قرار البنك المركزي المصري برفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس الأسبوع الماضي لأول مرة منذ مارس 2024، بعد انتهاء فترة جمع البيانات الخاصة بالمؤشر، لكن الضغوط التضخمية التي يستهدفها القرار كانت واضحة بالفعل في البيانات: إذ صرحت الخبيرة الاقتصادية آيتن المرجوشي لنشرة إنتربرايز الصباحية بأن الخطوة “كانت مبررة مع استمرار الشركات في رفع أسعار البيع رغم ضعف الطلب”، متوقعة أن تستمر الضغوط التضخمية خلال النصف الأول من عام 2027، مع وجود مجال لاستئناف دورة التيسير النقدي في النصف الثاني من 2027 إذا تراجعت التوترات واستقرت أسعار الطاقة.

تحليل وحدة الدراسات الاقتصادية بالمعهد المصري:

تعكس بيانات مؤشر مديري المشتريات استمرار الضغوط التي تواجه القطاع الخاص غير النفطي في مصر، وتكشف عن فجوة متزايدة بين مستهدفات التعافي الاقتصادي والواقع التشغيلي للشركات.

فاستمرار المؤشر دون مستوى 50 نقطة للشهر العاشر على التوالي، بالتزامن مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة والتوظيف، يشير إلى أن ضعف النشاط الاقتصادي لم يعد مجرد تباطؤ مؤقت، وإنما يعكس استمرار القيود الهيكلية والتشغيلية التي تحد من قدرة القطاع الخاص على التوسع وزيادة مساهمته في النشاط الاقتصادي.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى أن القطاع الخاص غير النفطي يمثل أحد المحركات الأساسية للنمو وتوفير فرص العمل وجذب الاستثمارات. وبالتالي، فإن استمرار انكماشه يضعف قدرة الاقتصاد على توليد نمو مستدام بقيادة القطاع الخاص، ويزيد من صعوبة تحقيق مستهدفات زيادة الإنتاج والتصدير وتوسيع قاعدة التشغيل.

كما أن تراجع ثقة الشركات إلى أدنى مستوياتها في سبعة أشهر يعكس حالة من عدم اليقين بشأن اتجاهات السوق وتكاليف التشغيل والطلب المستقبلي، وهو ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوسع والاستثمار، أو الاكتفاء بإدارة أنشطتها الحالية وتقليص النفقات.

وفي المقابل، تكشف ضغوط التكلفة عن تعقيد إضافي في المشهد الاقتصادي؛ إذ تواجه الشركات معادلة صعبة تتمثل في تراجع الطلب من ناحية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد والطاقة والشحن من ناحية أخرى.

وهذا يعني أن الضغوط التضخمية لم تعد مرتبطة فقط بزيادة الطلب، وإنما تتغذى أيضًا على عوامل جانب العرض، بما يقلص قدرة السياسة النقدية وحدها على احتوائها. كما أن اضطرابات سلاسل الإمداد وبطء الإجراءات الجمركية ونقص المواد الخام تؤثر في انتظام العملية الإنتاجية، وتزيد من تكلفة الاحتفاظ بالمخزون.

ومن هنا، فإن كان رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس يعكس محاولة البنك المركزي احتواء الضغوط التضخمية والحد من انتقالها إلى أسعار السلع والخدمات، لكنه يحمل في الوقت نفسه تكلفة إضافية على الشركات التي تحتاج إلى التمويل لتشغيل أنشطتها أو التوسع فيها.

وتبرز بذلك معضلة السياسة النقدية بين ضرورة كبح التضخم وتجنب تعميق الانكماش، خصوصًا أن ارتفاع تكلفة الاقتراض في بيئة يتراجع فيها الطلب ويضعف فيها النشاط الإنتاجي قد يؤجل التعافي ويضغط على الاستثمار والتوظيف.

وبالتالي، فإن التحدي الاقتصادي أمام مصر لا يقتصر على احتواء التضخم أو استقرار المؤشرات النقدية، وإنما يرتبط بضرورة معالجة الاختناقات التي تواجه جانب العرض، وتحسين كفاءة الإفراج الجمركي وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتقليل تكلفة الطاقة والشحن، وتعزيز استقرار سوق الصرف.

فاستمرار الاعتماد على التشديد النقدي دون معالجة هذه الاختلالات في الظروف الحالية لن يحد من الضغوط السعرية، ولن يؤدي لإعادة القطاع الخاص إلى مسار النمو.

وتظل قدرة الاقتصاد المصري على الخروج من دائرة الانكماش مرتبطة بتحقيق توازن بين استقرار الأسعار واستعادة النشاط الإنتاجي وتحفيز الاستثمار الخاص، وهو ما لا يبدو قريبًا للتحقق في الأمد المنظور