ليس كل من جلس على كرسي رئاسة الوزراء قائداً؛ فالقيادة لا تُقاس بحدة الخطاب ولا بكثرة الوعود، بل بوضوح الرؤية، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه، وتحويل الخطط إلى إنجاز يلمسه الناس. وفي الأردن، لا تحتمل التحديات إدارةً تنتظر أن تُقاد، ولا مسؤولاً يتعامل مع المنصب باعتباره امتيازاً لا مسؤولية.
رئيس الوزراء القيادي يبادر، ويحسن الإصغاء والتواصل، ويجمع فريقه حول أهداف واضحة، ويتخذ القرار في وقته، ويقبل النقد ويصحح الأخطاء. أما رئيس الوزراء التابع، فيميل إلى انتظار التوجيه وتجنب المبادرة، وقد يبرع في تنفيذ المهام المحددة، لكن التبعية حين تبلغ قمة المسؤولية تضعف القرار وتؤخر الحلول وتحدّ من الابتكار.
والقيادة نفسها قد تنحرف إلى التسلط أو التحكم في التفاصيل؛ لذا فالمطلوب قائد حاسم، لا مستبد، وشريك لفريقه لا بديل عنه.
وقد عرف الأردن، مع حفظ الألقاب، رؤساء وزراء وقادة تركوا بصمات واضحة، منهم زيد الرفاعي، وزيد بن شاكر، ووصفي التل، وعبد الكريم الكباريتي، وأحمد عبيدات، والدكتور عبد الرؤوف الروابدة، والدكتور عبد السلام المجالي، ومضر بدران، وطاهر المصري وغيرهم.
ولم تخلُ تجاربهم من النقد، لكن القيادة تُختبر في تقبّله والاستفادة منه، لا في إنكاره أو مقابلة أصحابه بالعناد.
وينعكس أسلوب رئيس الوزراء على ثقة المواطنين بالحكومة كلها. فالوضوح، والوفاء بالوعود، والاعتراف بالتقصير وتصحيحه، تجعل المواطن يرى حكومةً تسمعه وتتحمل مسؤوليتها.
أما تضارب التصريحات والوعود بلا نتائج والتنصل من المسؤولية، وانتظار التوجيه والتعليمات، والتوقيع دون رأي أو قراءة للاتفاقيات، فتضعف الثقة بالحكومة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وفي الأزمات، يقدّر القائد الموقف، وينسق بين المؤسسات، ويحسم في الوقت المناسب، ويصارح الناس؛ أما التردد وانتظار التوجيه والهاتف فقد يضاعفان الارتباك.
ومن الجوانب الدستورية اللافتة أن المادة «٢٨، الفقرة الخامسة» تشترط فيمن يتولى الملك أن يكون مسلماً، فيما تنص المادة «٤٢» على أن من يلي منصب الوزارة يجب أن يكون أردنياً، من دون اشتراط ديني. وبذلك لا يمنع النص الدستوري مواطناً أردنياً مسيحياً من تولي رئاسة الوزراء، كما لا يضع شرطاً يمنع المرأة من تولي المنصب؛ فالكفاءة والقدرة على القيادة هما الأساس. وهذا تمييز دستوري بين شروط تولي العرش وشروط تولي الوزارة.
والقيادة تُبنى بالخبرة والتعلم، ومعرفة الملفات، والاحتكاك بالناس، وقبول النقد، والتفويض والمحاسبة، والقدرة على تصحيح الخطأ. لذلك، فالأفضل للأردن رئيس وزراء مسؤول، صاحب رؤية ومبادرة، يقود من دون تسلط، ويقبل المساءلة، ويحوّل ثقة الناس إلى عمل. فالمنصب لا يصنع قائداً؛ إنما يصنعه الأثر الذي يتركه صاحبه.
نحتاج إلى رئيس وزراء قيادي، والأردن مليء بالكفاءات والخبرات والمهارات القيادية التي بإمكانها صياغة المستقبل الآمن والمشرق للبلاد.







