تتزايد الضغوط السياسية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار الحرب على إيران، بعد خسائر الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وسط تحركات ديمقراطية لوقف تمويل العمليات العسكرية، وتحذيرات داخل الإدارة الأمريكية من تضاؤل الفرصة المتاحة لشن هجوم واسع جديد على طهران.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع جهود وساطة إقليمية تقودها قطر لخفض التصعيد بين واشنطن وطهران، في وقت يواصل فيه الجيش الأمريكي تنفيذ ضربات محدودة ضد أهداف إيرانية، ما يعكس استمرار التوتر بين المسارين العسكري والدبلوماسي.

وبحسب تقارير أمريكية، أبلغ مسؤولون في الإدارة ووزارة الدفاع الرئيس ترامب بأن فرص تنفيذ حملة عسكرية واسعة جديدة ضد إيران تتراجع مع اقتراب تسلم الكونجرس الجديد مهامه في يناير المقبل، في ظل استعداد الديمقراطيين لاستخدام صلاحياتهم التشريعية والمالية لتقييد استمرار الحرب.

البنتاجون يحذر من تقلص الوقت المتاح لترامب

أفادت تقارير نقلت عن مسؤولين أمريكيين بأن ترامب تلقى تقديرات تشير إلى تضاؤل النافذة الزمنية المتاحة أمامه لتنفيذ حملة عسكرية جديدة ضد إيران.

وبحسب هذه التقديرات، فإن الأسابيع الثمانية المقبلة تمثل فترة مهمة بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، قبل انتقال السيطرة على الكونجرس إلى الديمقراطيين في يناير.

ويعني هذا التحول أن أي قرار بتوسيع العمليات العسكرية قد يواجه معارضة تشريعية أشد، خصوصًا فيما يتعلق بتخصيص الأموال اللازمة لاستمرار الحرب.

ومع ذلك، لا تعني سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس انتهاء صلاحيات الرئيس العسكرية تلقائيًا، إذ تظل هناك تعقيدات دستورية وقانونية تتعلق بسلطات الرئيس والكونجرس في إدارة العمليات العسكرية.

ضربات أمريكية جديدة قرب مضيق هرمز

ورغم الضغوط الداخلية، أعلن ترامب أن القوات الأمريكية نفذت ضربات محدودة جديدة استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.

وقال الرئيس الأمريكي، خلال حديثه مع الصحفيين مساء الجمعة، إن الجيش تمكن من تدمير منشأة دفاع جوي إيرانية خلال دقائق.

وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بسماع دوي انفجارين في منطقة سوزا بجزيرة قشم، الواقعة جنوبي إيران والمطلة على مضيق هرمز.

ولم تتضح بعد طبيعة الأضرار الناجمة عن الهجوم أو حصيلة الخسائر البشرية المحتملة.

وتأتي الضربات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متواصلة بشأن أمن الملاحة البحرية، خصوصًا في مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.

الديمقراطيون يتحركون لقطع تمويل الحرب

بدأ عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي تحركات تشريعية تهدف إلى وقف تمويل العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، مستفيدين من المكاسب التي حققها الحزب في انتخابات الكونجرس.

ويقود السيناتور كريس فان هولن والنائب رو خانا جهودًا للدفع نحو فرض قيود مالية تمنع استخدام الأموال الفيدرالية في استمرار الحرب.

وتستند هذه التحركات إلى صلاحيات الكونجرس المتعلقة بإقرار الموازنة والاعتمادات المالية، وهي أدوات سبق استخدامها في محاولات للحد من العمليات العسكرية الأمريكية خارج البلاد.

ولا تقتصر المقترحات المطروحة على رفض تمويل إضافي للحرب، بل تشمل إدراج نصوص قانونية تمنع استخدام بعض الأموال المعتمدة بالفعل في العمليات القتالية ضد إيران.

فان هولن يرفض أي تمويل لاستمرار الحرب

أكد السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن أنه لن يصوت لصالح أي تشريع يتضمن تمويلًا يسمح باستمرار العمليات العسكرية ضد إيران.

وقال إنه لا يعتزم الموافقة على أي إجراء يوفر أموالًا لتأجيج الحرب، معتبرًا أن على ترامب تحمل المسؤولية السياسية إذا اختار تعطيل عمل الحكومة من أجل مواصلة العمليات العسكرية.

كما أبدى عدد من النواب الديمقراطيين، بينهم آدم سميث وروزا ديلاورو، تأييدهم لاستخدام سلطة الموازنة للضغط على الإدارة الأمريكية.

وتعكس هذه المواقف تصاعد المطالب داخل الحزب بتحويل المعارضة السياسية للحرب إلى إجراءات تشريعية ومالية.

11 ديسمبر.. موعد مواجهة حاسمة بشأن الموازنة

تتجه الأنظار إلى 11 ديسمبر المقبل، الموعد النهائي لتمديد التمويل الفيدرالي للحكومة الأمريكية.

وقد يتحول هذا الموعد إلى مواجهة مباشرة بين الديمقراطيين والجمهوريين، إذا أصر أعضاء الحزب الديمقراطي على ربط الموافقة على التمويل الحكومي بوقف الإنفاق على الحرب.

ويثير هذا الاحتمال مخاوف من إغلاق الحكومة الفيدرالية إذا تعثرت المفاوضات بشأن الموازنة.

ولا يزال الجمهوريون يسيطرون على مجلسي الكونجرس حتى تسلم الأعضاء المنتخبين الجدد مهامهم في يناير، وهو ما يجعل قدرة الديمقراطيين على فرض شروطهم قبل ذلك الموعد مرتبطة بالتوازنات السياسية داخل المجلسين.

70 مليار دولار لتمويل العمليات ضد إيران

تضمنت صيغ سابقة لمشروع موازنة وزارة الدفاع الأمريكية للعام المقبل تخصيص نحو 70 مليار دولار للعمليات العسكرية المرتبطة بالحرب على إيران.

ويشكل هذا التمويل أحد الملفات التي قد تشهد خلافات واسعة خلال مناقشات الموازنة، في ظل اعتراض الديمقراطيين على استمرار الحرب وتكاليفها الاقتصادية.

ويرى معارضو الحرب أن التحكم في الاعتمادات المالية يمثل وسيلة للضغط على الإدارة الأمريكية، بينما تظل فعالية هذه الوسيلة مرتبطة بإقرار تشريعات ملزمة وقدرتها على تجاوز اعتراضات البيت الأبيض.

شومر وجيفريز أمام اختبار سياسي

تضع التطورات الأخيرة القيادات الديمقراطية، وفي مقدمتها تشاك شومر وحكيم جيفريز، أمام اختبار بشأن كيفية التعامل مع الحرب بعد المكاسب الانتخابية.

وكان شومر قد تعهد بالعمل على إنهاء الحرب، مؤكدًا أن الدستور منح الكونجرس سلطة التحكم في الإنفاق العام للحد من قدرة أي رئيس على خوض حرب دون موافقة ممثلي الشعب.

لكن المواقف السابقة لبعض قيادات الحزب تجاه إسرائيل والعمليات العسكرية ضد إيران تثير تساؤلات بشأن إمكانية التوصل إلى موقف ديمقراطي موحد حول وقف التمويل.

فقد سبق لشومر انتقاد اتفاق أبرمه ترامب مع إيران لإنهاء جولة سابقة من الحرب، بينما لم يستبعد جيفريز في وقت سابق دعم طلبات تمويل إضافية للعمليات العسكرية.

وتجعل هذه التباينات المفاوضات الداخلية للحزب عاملًا مؤثرًا في تحديد طبيعة المواجهة المقبلة مع الإدارة الأمريكية.

الوساطة القطرية تتقدم وسط استمرار التصعيد

بالتوازي مع الضغوط السياسية داخل واشنطن، تتواصل الجهود الدبلوماسية التي تقودها قطر لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران.

وتسعى الوساطة إلى معالجة الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

وكان ترامب قد أعلن أن إدارته تجري محادثات مع ممثلين عن إيران، مؤكدًا تحقيق تقدم جيد للغاية، دون الكشف عن تفاصيل المفاوضات أو نتائجها.

ويشير استمرار الاتصالات إلى وجود مسار دبلوماسي موازٍ للعمليات العسكرية، لكنه لا يمثل حتى الآن ضمانة للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب.

هل تتراجع احتمالات الحرب الواسعة؟

يرى مراقبون أن نتائج انتخابات الكونجرس وتزايد المعارضة الداخلية للحرب قد تفرض قيودًا سياسية ومالية إضافية على خيارات ترامب العسكرية.

كما أن استمرار الوساطة الإقليمية والضغوط الاقتصادية المرتبطة بأسواق الطاقة يوفران دوافع إضافية للبحث عن تسوية دبلوماسية.

وفي المقابل، فإن الضربات الأمريكية الأخيرة على منشآت الدفاع الجوي الإيرانية تؤكد أن الخيار العسكري لا يزال حاضرًا في حسابات الإدارة الأمريكية.

وتبقى احتمالات توسيع الحرب أو التوصل إلى اتفاق مرتبطة بقرارات واشنطن وطهران خلال الأسابيع المقبلة، ومدى تقدم المفاوضات، وقدرة الكونجرس على ممارسة ضغوط فعلية بشأن تمويل العمليات العسكرية.

وبين ضغوط الداخل الأمريكي والتوترات الإقليمية، يواجه ترامب مرحلة معقدة في إدارة الحرب على إيران، مع اقتراب انتقال السلطة التشريعية إلى أغلبية ديمقراطية تعلن عزمها العمل على إنهاء الصراع.