لم يستطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي زعم أكثر من مرة، أنه أوقف ثماني حروب في العالم، أن يوقف غضب الأميركيين عليه، ونقمتهم على سياساته الداخلية والخارجية، ويمتصّ اعتراضهم على أداء إدارته، بعد أن أطلق سلسلة من الوعود الرنانة قبيل تنصيبه رسمياً في ولايته الثانية، وعود تتعلق بإطلاق أكبر عملية ترحيل للمهاجرين غير الشرعيين خارج الولايات المتحدة، والبالغ عددهم 11 مليون شخص، وإنهاء المواطنة بالولادة لأبناء المهاجرين متجاوزاً حق المواطنة بالولادة، الذي ضمنه الدستور الأميركي.

ترامب وعد بفرض تعريفات جمركية على دول في العالم، وتعهّد أيضاً بإنهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية «سريعاً»، كما ألغى أوامر تنفيذية كانت تهدف إلى مساواة السود واللاتينيين، والأميركيين الأصليين، والآسيويين، وسكان جزر المحيط الهادئ، وأعاد إدراج كوبا في لائحة الإرهاب.

كما وعد أيضاً بتخفيض تكاليف الطاقة وزيادة الإنتاج، وتخفيض الدين العام الأميركي. من اللافت أنّ زيادة الدين العام الأميركي خلال ولاية ترامب الأولى بلغت 7.8 تريليونات دولار بين العامين 2017 ـ 2021، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، أضافت حكومته بين كانون الثاني/ يناير 2025 وحتى منتصف العام 2026 ديناً بلغ 3.8 تريليون دولار، ليبلغ إجمالي الزيادة في الدين العام الأميركي في فترتي رئاسته 11.6 تريليون دولار، ليتخطى الدين الأميركي في شهر آب/ أغسطس 2026 حاجز الـ 40 تريليون دولار.

في شهر كانون الثاني/ يناير 2026، وقّع ترامب أمراً رئاسياً يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة ومؤسسة دولية، منها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة، و35 منظمة غير أممية، بحجة أنها لم تعد تخدم المصالح القومية الأميركية! من بين هذه المنظمات الدولية المشمولة بالانسحاب: اليونسكو، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، منظمة الصحة العالمية، واتفاقية باريس للمناخ.

إنّ أهمية نتائج الانتخابات النصفية التي فاز فيها الديمقراطيون ليست فقط اختباراً لشعبية ترامب، وإنما لتبيّن حجم تأثيرها على حساباته السياسية الداخلية والخارجية للفترة المتبقية له في الحكم، وبعد أن يصبح الكونجرس أكثر تشدّداً في مراقبة قراراته. إذ أنّ سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، ستجعل العامين الأخيرين من ولايته مختلفين تماماً عن العامين الأولين.

لقد اعتاد ترامب خلال العامين الماضيين على تمرير تعييناته بسهولة من خلال مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية، الذي يملك صلاحيات دستورية للمصادقة على تعيين الوزراء، وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، وعلى تعيين السفراء، والقضاة الفدراليين، وأيضاً تعيينات المحكمة العليا.

إنّ مجلس الشيوخ بأغلبيته الديمقراطية يستطيع رفض مرشحي ترامب، خصوصاً إذا كانت التعيينات تتعلق بمناصب رفيعة قضائية أو أمنية حساسة محسوبة عليه، عندئذ سيكون الأمر صعباً على ترامب لتمرير تعييناته بسهولة كما تعوّد عليها في العامين الماضيين.

لكن هل سيتغاضى مجلس النواب بأكثريته الديمقراطية، وما يتمتع به من صلاحيات، عن إجراء التحقيقات، والاستدعاءات، والاستجوابات اللازمة، وتحريك اللجان المختصة لفتح ملفات تتعلق بالقرارات العسكرية، والحرب على إيران، والإنفاق الحكومي، والعقود الفدرالية، والرسوم الجمركية، والسياسات الاقتصادية، وأداء المؤسسات الأمنية والاستخبارية، والقرارات التنفيذية التي اتخذها ترامب دون موافقة الكونجرس؟!

ترامب الذي اعتبر نفسه قدر «أميركا أولاً»، و«ملهم» شعبها، سيكون مع المجلس الجديد أمام رقابة برلمانية أكثر جدية وحزماً، تلبّي رغبة 70% من الناخبين الذين طالبوا بأن يقوم الكونجرس برقابة أكبر، وأكثر فعالية على قرارات الرئيس.

يبدو أنّ العامين المقبلين سيشهدان توتراً شديداً بين ترامب الجريح الهائج، ومجلسي النواب والشيوخ، خاصة بعد أن لوّح ترامب باستخدام حق النقض (الفيتو) ضدّ القرارات التي لا تتماشى مع سياساته، مما سيؤثر مستقبلاً على سير الحياة السياسية الأميركية بشكل طبيعي، ويزيد من الشرخ بين ترامب وحزبه الجمهوري، وبين الأغلبية الديمقراطية.

بعد الانتخابات النصفية، كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري سيستعدان بكلّ طاقتهما للانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد عامين، ليبقى أداء ترامب من جهة، والديمقراطيين من جهة أخرى، المعيار الحقيقي للناخب الأميركي ليحكم على أداء الطرفين، وبعد ذلك يقرّر، ويتخذ قراره مثل ما فعل في الانتخابات النصفية.

لكن ماذا عن الحرب على إيران التي عاقبت ترامب وعنجهيته، وغروره في صناديق الاقتراع، وأفقدته الأكثرية في الكونجرس؟! هل سيبقى على تهديده لإيران والتلويح بالحرب، ويستمرّ بتصريحاته العنصرية المقيتة، وتصريحاته المقزّزة الهوجاء الداعية إلى القضاء على نظامها وحضارتها؟

الحرب التي شنّها على إيران وحصاره لمضيق هرمز، كلف الولايات المتحدة حتى 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2027 حوالي 47 مليار دولار، عدا الخسائر المادية التي لحقت بالقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، حسب تقديرات البنتاغون والقيادة العسكرية الأميركية. لم تتوقف النفقات العسكرية عند هذا الحدّ، بل طلب وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت تمويلاً إضافياً عاجلاً من الخزينة الأميركية يبلغ 97 مليار دولار لتغطية استمرار العمليات العسكرية.

حرب فاقمت من معاناة الشعب الأميركي بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن وأسعار السلع، لا سيما أسعار الطاقة التي كانت سبباً إضافياً في هزيمة ترامب وحزبه الجمهوري.

حرب ترامب غير المبرّرة على إيران، وحصاره لمضيق هرمز، ألحق خسائر فادحة في اقتصادات دول العالم، وفي سلاسل توريد الطاقة والسلع الصناعية والغذائية، والتجارة العالمية.

ها هي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في قمة Win Win التي عقدت في بروكسل يوم 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، تصرّح قائلة: إنّ إغلاق مضيق هرمز كلف أوروبا حتى الآن 127 مليار يورو، في حين لم تصل لأوروبا أيّ ذرة طاقة إضافية مقابل هذه التكلفة!

السؤال الذي يطرح نفسه على الساحة الأميركية: بعد هزيمته المدوّية في الانتخابات النصفية، ألا يترتب على ترامب أن يراجع سياساته، ويعيد حساباته من جديد، وبالذات حيال سياسته الخارجية التي شكلت صدمة كبيرة لدول العالم، وهو يتخذ قرارات تعسّفية حيالها، ويتنمّر على دول وسيادتها، ويستهزئ بحكام وزعماء حلفاء له أو أعداء، بألفاظ نابية، متجاوزاً اللياقات، والأصول، والضوابط وهو يستخدم عبارات لا أخلاقية، معيبة ومسيئة لدول، وحكام، وشعوب، ووسائل إعلام وإعلاميين، لم يعرف العالم ولا الولايات المتحدة مثيلاً له؟

بعد هزيمة الجمهوريين المدوّية، ماذا عن احتمال تراجع ترامب واندفاعه وتهوّره باتجاه الحرب على إيران، والتوقف عن دعمه الكامل لمجرم الحرب الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، والكفّ عن الأخذ بـ «نصائحه» العنصرية المدمّرة؟

من غير المستبعد أن يندفع ترامب لشنّ عملية عسكرية واسعة سريعة ضدّ إيران، بمشاركة نتنياهو، مستنداً إلى صلاحياته الدستورية، لتعويم ما تبقى له من رصيد سياسي ومعنوي.

حرب سريعة ومدمرة، ضدّ إيران، يقوم بها بدافع الانتقام الشديد، ليحفظ صورته، وماء وجهه أمام الأميركيين والعالم، حيث كانت حرب ترامب على إيران، من الأسباب الرئيسة التي جعلت الأميركيين أن يطيحوا بالأكثرية الجمهورية في الكونجرس، بعد أن أعرب ثلثا الشعب الأميركي عن معارضتهم للحرب.

هل يتّعظ ترامب من فشل حربه على إيران، ويأخذ العبرة من نتائجها، ويدرك جيداً أنّ إيران تبقى عصية عليه وعلى غيره من العابثين بالشعوب ومغامري الحروب.

الأيام القليلة المقبلة ستبيّن لنا، ما إذا كان ترامب استفاق من هزيمته الشنعاء في الانتخابات النصفية، واستوعب جيداً ما قاله نائبه فانس، من «أنّ العلاقة مع «إسرائيل» هي أحد أسباب خسارة الحزب الجمهوري، أما سبب خسارتنا فهو الحرب مع إيران».

هل ستدفع نرجسية ترامب الشخصية والسياسية، وعناده، وحقده، للقيام بمغامرة جديدة لشنّ حرب على إيران؟! مغامرة إذا ما قام بها ستطوي صفحته السياسية نهائياً، كما انطوت من قبل بعد العدوان الثلاثي على مصر صفحة أنطوني إيدن وغي موليه…!