جرت في إسرائيل انتخابات تشريعية عامة يوم 27 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، وبعد أسبوع، يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، جرت في الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي. ورغم وقوعهما في بلدين منفصلين، لكل منهما نظامه السياسي والاجتماعي المستقل، فإن الحدثين يرتبطان عضويا فيما بينهما، بل ويتوقع أن تكون لهما تأثيرات سياسية ودلالات جيواستراتيجية متطابقة.
فكما أسفرت الانتخابات الإسرائيلية عن تعميق مأزق نتنياهو إلى الدرجة التي قد تطيح مستقبله السياسي، عقب انسداد آفاق الخيارات المتاحة أمامه لتشكيل حكومة برئاسته، يتوقع أن تسفر انتخابات التجديد النصفي الأميركية عن تعميق مأزق ترامب إلى الدرجة التي قد تطيح سمعته وتجعل منه عبرة لكل من يريد أن يعتبر، عقب كسر غروره وتحوّله إلى “بطّة عرجاء” في الفترة المتبقية من ولايته الثانية والأخيرة.
وهناك ما يشبه الإجماع على أن السبب الرئيسي في المأزق المزدوج لكل من الرجلين يعود، من ناحية، إلى مشاركتهما معاً في شن حرب عدوانية على إيران، وإلى فشلهما معاً، من ناحية أخرى، في تحقيق أيٍّ من الأهداف التي سعيا إليها في شن هذه الحرب التي لم تحسم بعد، وقد تفضي إلى كوارث أكبر مما وقع بالفعل.
فقد أسفرت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية عن حصول الائتلاف الحاكم على 53 مقعداً، منها 27 لحزب الليكود الذي يترأسه نتنياهو، وعن حصول ائتلاف التغيير على 48 مقعداً، منها 21 لحزب يشّار الذي يترأسه غادي أيزنكوت. وبالتالي لن يكون في مقدور أي من المعسكرين المتنافسين فيها تشكيل حكومة تتمتع بأغلبية في الكنيست.
إذ يحتاج نتنياهو إلى ثمانية مقاعد إضافية، على الأقل، ليتمكن الائتلاف الذي يقوده من تشكيل حكومة أغلبية برئاسته، بينما يحتاج أيزنكوت إلى 13 مقعداً إضافياً ليتمكّن من تشكيل حكومة بالمواصفات نفسها.
وربما يكون أهم ما أسفرت عنه هذه الانتخابات حصول القوائم العربية على 19 مقعداً، منها 11 للقائمة المشتركة وثمانية للقائمة العربية الموحدة، وهو حدث غير مسبوق في تاريخ الحياة السياسية الإسرائيلية.
صحيح أن تعداد السكان العرب الحاملين الجنسية الإسرائيلية يتجاوز 20% من إجمالي عدد السكان، ما يعني أن حصتهم العادلة في مقاعد الكنيست ينبغي ألا تقل عن 24 مقعداً، غير أن أقصى ما استطاعوا الحصول عليه من هذه المقاعد لم يتجاوز نصف العدد المستحق، منذ تأسيس الدولة.
ولذلك ظل النواب العرب مهمّشين في الحياة السياسية الإسرائيلية على الدوام، وبالتالي ضعفت قدرتهم على التأثير في صنع القرار السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي على السواء.
غير أن الوضع يبدو مختلفا الآن تماماً، حيث يمسك النواب العرب برمانة الميزان في المشاورات الرامية إلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فلن يكون بمقدور الائتلاف الذي يقوده أيزنكوت تحقيق هدفه في إطاحة نتنياهو إلا بالتنسيق مع النواب العرب، وبالتالي لن يؤدّي أي خيار آخر إلا إلى مزيد من الإرباك وعدم الاستقرار.
ولأنه يفترض أن يؤدّي الكنيست الجديد اليمين الدستورية يوم 10 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، سوف يسعى الائتلاف الذي يقوده أيزنكوت، بالتنسيق مع النواب العرب، على الفور إلى إطاحة الرئيس الحالي للكنيست، واقتراح إدخال تعديلات جوهرية على قوانين عديدة أصدرتها الحكومة الحالية، ما سيشكل ضغطاً نفسياً كبيراً على نتنياهو، خصوصاً إذا قرّر الرئيس الإسرائيلي تكليف أيزنكوت أولاً بتشكيل الحكومة، ما قد يجعل من الصعب على نتنياهو إعادة ترتيب أوراقه للعثور على صيغةٍ تسمح له بالبقاء رئيساً للحكومة أو لتمهيد الطريق نحو الدعوة إلى انتخابات جديدة.
على صعيد آخر، تفيد النتائج الأولية لانتخابات التجديد النصفي الأميركية بحصول الحزب الديمقراطي على أغلبية مريحة من المقاعد في الكونجرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب) وبفارق كبير يتيح له ممارسة ضغوط نفسية وسياسية كبيرة على الحزب الجمهوري، ما أجبر ترامب على الاعتراف بالهزيمة على الفور، والإقرار، في الوقت نفسه، بأن شن الحرب على إيران كان أحد أهم أسبابها.
صحيحٌ أنه ما زال يكابر ويصرّ على أنه “اتخذ القرار الصحيح”، وأن “أي ثمن يدفع الآن بسبب هذه الحرب سيكون أقل كلفة مما قد تضطرّ الولايات المتحدة لدفعه مستقبلا لو استطاعت إيران امتلاك السلاح النووي”.
وتعكس هذه المكابرة شخصية عنيدة لا تعترف بارتكاب أخطاء، وتعتبر نفسها دائماً على حق، وتسعى إلى إلقاء اللوم على الآخرين. وبالتالي، تنحو دائماً نحو التبرير، بدلاً من الاعتراف بالخطأ والسعي إلى تصحيحه.
ولأنه سيظلّ متمتعاً بكامل صلاحياته، رئيساً للسلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية، في الوقت نفسه، فليس من المستبعد أن يقدم على اتخاذ أي قرار يراه ضروريا، بما في ذلك القيام بمغامرات عسكرية جديدة، حتى بعد تحوّله إلى “بطة عرجاء”.
صحيح أن الحزب الديمقراطي بات يملك أغلبية في الكونجرس تمكّنه من سن تشريعاتٍ يراها ضرورية، وبالتالي من تغيير دفة السياسات الأميركية، لكن ترامب يملك حق الفيتو في الوقت نفسه، ما يتيح له وقف التشريعات التي لا يرضى عنها، والتي لا يملك الحزب الديمقراطي تمريرها رغم أنفه، لعدم تمتّعه بأغلبية الثلثين، غير أن سيطرته على أغلبية بسيطة في المجلسين ستتيح له فتح تحقيقات برلمانية في مجمل القرارات التي أصدرها ترامب من قبل، خصوصاً شن الحرب على إيران، ومن استدعاء المسؤولين العسكريين والسياسيين لاستجوابهم، ومن تعطيل (أو تعديل) التشريعات التي قد يبادر هو أو حزبه الجمهوري باقتراحها، والأهم أنها ستمكّن الحزب الديمقراطي من استخدام سلطة الكونجرس في اعتماد الميزانية وإقرار المخصّصات المالية وسيلة للضغط.
كان البعد الانتقامي والشخصي سمة مشتركة وغالبة في الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، فالكراهية لشخصه وعدم رغبة أغلبية الناخبين الإسرائيليين في رؤية نتنياهو متربّعاً من جديد على قمة هرم السلطة في إسرائيل كانت الدافع الرئيسي للتصويت لصالح معسكر التغيير الذي يصح أن نطلق عليه “معسكر تغيير نتنياهو”، وليس بالضرورة سياساته، فالمزاج السائد في المجتمع الإسرائيلي يدفعه نحو اليمين ومزيد من التطرّف.
ولذا لا يوجد تباين كبير في السياسات بين المعسكرين المتنافسين في الانتخابات الإسرائيلية، خصوصاً تجاه القضية الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومن ثم تنحصر المنافسة على الساحة الإسرائيلية بين جماعات وأحزاب وتيارات يمينية متطرّفة وأخرى أكثر منها تطرفاً، ما يعني أن أغلب الأصوات التي حصل عليها معسكر التغيير في إسرائيل لم تكن اقتناعاً بسياساته، بقدر ما كانت في مجملها عقابية، وتعكس رغبة في الانتقام من نتنياهو، بسبب كراهية مضمرة لشخصيته ولأسلوب حكمه السلطوي والتآمري في الوقت نفسه.
أما التعبئة وحالة الاستنفار اللتين اتسم بهما التصويت العربي فكانتا تعبيراً عن إحساس عارم بخطر وجودي ناجم عن الوحشية التي تعامل بها نتنياهو، ليس فقط مع سكان قطاع غزة، وإنما مع الشعب الفلسطيني كله، في غزّة والضفة الغربية.
ولأن معظم النخب العربية في إسرائيل ترى نتنياهو أكثر الشخصيات السياسية خطورة على المصالح الفلسطينية في الوقت الراهن، بسبب ما يتمتع به من قدراتٍ قياديةٍ وتآمرية، فمن الطبيعي أن تجمعها بمعسكر التغيير رغبة مشتركة في الخلاص منه، ما يفسّر ميل القوائم العربية إلى تزكية أيزنكوت لتشكيل الحكومة الإسرائيلية.
يكاد المشهد السياسي الإسرائيلي أن يكون صورة طبق الأصل لما يجري على ساحة السياسة الأميركية التي يتصدّرها ويتحكم فيها شخص واحد، اسمه دونالد ترامب. لم يشهد عالم الرؤساء الأميركيين له مثيلا في النرجسية والولع بالظهور الإعلامي والقدرة على الكذب والخداع وتغيير المواقف بسرعة من النقيض إلى النقيض.
ولذا ليس من المستبعد أبدا أن تعكس كثافة التصويت لصالح مرشّحي الحزب الديمقراطي عمق الكراهية التي يكنّها الناخبون الأميركيون للرئيس ترامب، خصوصاً بعدما اتضحت التناقضات الكامنة في شخصيته، في تصريحات مذهلة حول ضم كندا واحتلال غرينلاند وغيرها من تصريحات تعكس نزعته العدوانية والاستعلائية، وكذلك في تصريحاته العنصرية المعادية للمهاجرين والمتحرّشة بمعظم الأجناس الأخرى من غير البيض البروتستانت، والكارهة للعرب والمسلمين بالذات.
ولأن الشعب الأميركي يتكوّن من مهاجرين من كل الأجناس والديانات، ليس من المستبعد أن تكون تصريحاته هذه قد استفزّت كثيرين وشجعتهم على معاقبته والانتقام منه عبر صناديق الاقتراع.
ومع ذلك، ليس من المستبعد أن يكون شن الحرب على إيران العامل الأكثر تأثيراً في تغيير توجهات الناخبين الذين خدعتهم تصريحات ترامب القديمة عن رفض الحروب، والحرص على أن “تعود أميركا عظيمة”، خصوصاً بعد أن تبينوا أن هذه الحرب شنّت لحساب كيان يرتكب جرائم إبادة جماعية في حق الفلسطينيين، وينتهك كل القواعد والمعايير القانونية والأخلاقية.
نتائج كل من الانتخابات التشريعية في إسرائيل وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة تعني، في أحد أبعادها على الأقل، سحب التفويضين الممنوحين لنتنياهو في إسرائيل ولترامب في الولايات المتحدة، كما تعني إصراراً واضحاً على المطالبة بالوقف الفوري للحرب على إيران، والتوصل إلى تسوية سلمية تتيح معالجة الدمار الذي خلفته، وتعكس رغبة قوية في إعادة صياغة علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل لتصبح أكثر توازناً وأقل استنزافاً لموارد الشعب الأميركي، وأكثر حرصاً على الالتزام بقيمه ومعاييره الإنسانية.
غير أن بقاء ترامب ونتنياهو رئيسي السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، ولو لفترة محدودة قصيرة أو طويلة نسبياً، يثير القلق ولا يبعث على الطمأنينة. ففي بقائهما معا خطر يصعب التنبؤ بعواقبه.
لذا ليس من المستبعد أن تستأنف الحرب على إيران، وأن تتحول الجولة المقبلة من الصراع المسلح إلى حرب إقليمية شاملة، وهو ما لا يتمنى أي إنسان سويٍّ حدوثه.







