وصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، السبت 7 نوفمبر 2026، في زيارة هي الأولى من نوعها لوزير خارجية مصري منذ عام 2011، وسط تحركات دبلوماسية لفتح قنوات جديدة للتواصل مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، رغم استمرار الخلاف بشأن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا.
وتأتي الزيارة بعد أسابيع من موافقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، في خطوة أثارت اعتراضات مصرية جديدة، وسط مخاوف القاهرة من تأثير الاتفاق على حقوقها السيادية ومصالحها الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.
وتحمل الزيارة أهمية سياسية خاصة في ظل العلاقات المعقدة بين القاهرة والأطراف الليبية المختلفة، إذ تسعى مصر إلى تعزيز التواصل مع حكومة طرابلس، مع الحفاظ على علاقاتها بالقوى السياسية والمؤسسات الموجودة في شرق ليبيا.
ثلاثة ملفات رئيسية على جدول الزيارة
تتضمن زيارة عبد العاطي المشاركة في اجتماعات المجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، وافتتاح السفارة المصرية في طرابلس، إلى جانب إجراء مباحثات لتعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الأفريقي.
وبحسب المعلومات الدبلوماسية المتداولة بشأن الزيارة، فإن القاهرة تستهدف توسيع قنوات التواصل مع غرب ليبيا، دون أن يعني ذلك تغييرًا في موقفها من الأطراف السياسية الأخرى داخل البلاد.
ومن المنتظر أن يتصدر ملف الحدود البحرية المباحثات بين الجانبين، خاصة بعد التطورات الأخيرة المتعلقة بمذكرة التفاهم الليبية التركية.
الدبيبة يبعث برسائل تهدئة إلى القاهرة
في المقابل، أبدى رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة موقفًا يميل إلى التهدئة بشأن الخلاف البحري مع مصر.
وأكد الدبيبة، خلال لقاء مع إعلاميين مصريين، أن حكومته لا تسعى إلى الإضرار بالمصالح المصرية في شرق المتوسط، مشددًا على أهمية الحفاظ على العلاقات بين البلدين.
وقال الدبيبة: «لا نريد أي إضرار بالمصالح المصرية في شرق المتوسط».
كما اعتبر أن ملف ترسيم الحدود البحرية لا يمثل مشكلة كبيرة، في تصريحات تعكس رغبة طرابلس في احتواء الخلاف وعدم السماح له بالتأثير على العلاقات الثنائية.
لماذا ترفض مصر الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا؟
تعود جذور الخلاف إلى 27 نوفمبر 2019، عندما وقعت حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج آنذاك مذكرتي تفاهم مع تركيا، إحداهما للتعاون الأمني والعسكري، والأخرى لتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط.
وأثارت المذكرة البحرية اعتراضات من مصر واليونان وقبرص، بسبب مسار الحدود البحرية الذي حددته بين ليبيا وتركيا، وما اعتبرته الدول الثلاث مساسًا بحقوقها ومطالباتها البحرية في شرق المتوسط.
وترى القاهرة أن الاتفاق يتعارض مع قواعد القانون الدولي للبحار، ويمس حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.
وفي المقابل، تتمسك تركيا وليبيا بالمذكرة باعتبارها إطارًا لتنظيم حقوقهما البحرية، في ظل خلافات إقليمية أوسع بشأن تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة وحقوق استكشاف موارد الطاقة.
القاهرة تتمسك بموقفها من الاتفاق البحري
جدد عبد العاطي، خلال لقائه الدبيبة، موقف مصر القانوني من مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدًا ضرورة مراعاة الشواغل المصرية بشأن ترسيم الحدود وفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وأشار بيان للخارجية المصرية إلى حدوث توافق بشأن أهمية مراعاة هذه الشواغل بما يحقق مصالح البلدين، دون الإعلان عن اتفاق جديد لترسيم الحدود البحرية. الليبية+1
وكان مجلس النواب الليبي قد صوت في 20 أكتوبر الماضي على اعتماد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا، وإلغاء قرارات سابقة برفض المصادقة عليها.
وعقب التصويت، جددت القاهرة رفضها للمذكرة، واعتبرتها باطلة قانونيًا ولا ترتب آثارًا تمس حقوق مصر البحرية، مؤكدة رفض أي إجراءات تستند إليها وتتعارض مع حدودها البحرية المعلنة.
إعادة افتتاح السفارة المصرية بعد 12 عامًا
وشهدت الزيارة إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس بعد نحو 12 عامًا من الإغلاق، على أن تبدأ أعمالها رسميًا الأحد 8 نوفمبر، في خطوة تستهدف تعزيز الحضور الدبلوماسي المصري وتسهيل التواصل المباشر مع المؤسسات الليبية.
كما بحث عبد العاطي مع الدبيبة توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والتعليمي والثقافي، ودور الشركات والعمالة المصرية في مشروعات إعادة الإعمار.
وشهدت الزيارة أيضًا توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الصحي بين الجانبين.
مباحثات مع المنفي حول الطاقة وإعادة الإعمار
والتقى وزير الخارجية المصري رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، حيث تناولت المباحثات تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والنفط والغاز والبنية التحتية والزراعة والربط الكهربائي.
كما ناقش الجانبان مستجدات العملية السياسية الليبية وأهمية استمرار التنسيق بين البلدين لدعم الاستقرار وتطوير العلاقات الثنائية. المصرية
هل تنجح الزيارة في احتواء الخلاف البحري؟
تفتح زيارة عبد العاطي مسارًا جديدًا للحوار المباشر بين القاهرة وطرابلس، خصوصًا بعد تأكيد الدبيبة حرصه على عدم الإضرار بالمصالح المصرية في شرق المتوسط.
غير أن الخلاف بشأن مذكرة التفاهم الليبية التركية لا يزال قائمًا، في ظل تمسك مصر باعتراضاتها القانونية واستمرار اعتماد الاتفاق من جانب ليبيا وتركيا.
وتشير نتائج المباحثات إلى إمكانية إدارة الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية، بالتوازي مع توسيع التعاون الاقتصادي والسياسي، دون أن يعني ذلك التوصل إلى تسوية نهائية بشأن الحدود البحرية.
وبذلك تمثل الزيارة تطورًا في العلاقات المصرية الليبية، يجمع بين إعادة تنشيط التمثيل الدبلوماسي، وفتح ملفات التعاون المشترك، ومحاولة احتواء أحد أبرز الخلافات الإقليمية المرتبطة بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط.






