بقلم د. مهندس عبد الفتاح طوقان

ليس كلُّ حبٍّ يُختبر باللقاء؛ فبعضه تكشفه المسافات، وبعضه تصقله الأيام، وبعضه يبقى في القلب رغم الخذلان. الحبّ الصادق لا تصنعه المصلحة، ولا يطفئه البعد؛ تحفظه المودّة والوفاء والاحترام، وترويه ثقةٌ لا تُبنى بالكلام وحده.

خلّد العرب قصصًا صار فيها الحبّ ذاكرةً تتجاوز أصحابها: قيس وليلى، وعنترة وعبلة، وجميل وبثينة.

اختلفت حكاياتهم، لكنها التقت في الشوق والوفاء ومرارة البعد. وفي شعر عنترة، تبقى الحبيبة حاضرةً حتى في قلب الخطر:

ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
منّي وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي

عنترة بن شدّاد

ذلك حبٌّ لا تمحوه المسافة، كما أن حبّ الوطن لا تنفيه الغربة، ولا تُسقطه خيبة.

فالوطن مثل الحبيبة ليس حدودًا على خريطة قلب فحسب؛ هو البيت واللغة والوجوه والذكريات، الدفء والعشق واللهفة إلى لقاء، وهو أمانٌ نرجوه لنا ولأبنائنا، وكرامةٌ لا تكتمل إلا بالعدل، وانتماءٌ يجعلنا نريده أفضل، وعشقًا لا تمحوه الكلمات ولا أن نكتفي بمدحه.

وقد عبّر أحمد شوقي عن فرحة اللقاء بالوطن فقال:

ويا وطني لقيتُك بعد يأسٍ
كأنّي قد لقيتُ بك الشبابا

أحمد شوقي

فحبّ الوطن ليس كلامًا جميلًا فحسب؛ إنّه وفاءٌ يظهر عند الشدائد، ومسؤوليةٌ تتجلّى في العمل والإصلاح.

وإذا ابتُلي الوطن بالظلم أو الفساد أو حكومة ضعيفة وتراجع الإنجاز لديها فلا يكون الوفاء بتبرير الخطأ أو الصمت عنه، بل بمواجهته، وترتيب البيت الوطني، وصون مؤسساته، واختيار من يحمل الأمانة بصدق ويطرب قلبه لها ويفني حياته كلها إيمانًا بها.

والحكومة التي لا تنفع الوطن، ولا تحمي أمنه واستقراره، ولا تنجز ما وُعد به الناس، ثم تحارب الأفكار الجديدة، وتقصي الحقائق، وتهمّش أكفأ أبناء الوطن وأفضلهم، لا يجوز أن تستمر في إدارة شؤونه كأنّ شيئًا لم يكن.

واجبها أن تصغي إلى الناس، وتُراجع نهجها، وتُتيح الكفاءة، وتحمي حقّ المواطنين في التعبير والمشاركة، والأهم تأمين الأمن والأمان واستقرار الأوطان.

فإذا عجزت عن ذلك وفقدت ثقة الناس، وغاب الأمان فعليها أن تفسح المجال لحكومةٍ قادرة على الإنجاز، ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وبما يصون استقرار الوطن وحقوق أبنائه، تمنحهم الثقة بأنفسهم وبطونهم ومستقبلهم وتحارب الإرهاب والفساد.

فالمناصب أمانةٌ لا امتياز، والحكومة وسيلةٌ لخدمة الوطن لا غايةٌ بذاتها.

ومن أساء استعمال السلطة، أو عطّل مصالح الناس، أو أقصى الكفاءات لمصلحة المحاسيب، يجب أن يُحاسَب بعدلٍ وشفافية، وأن يرحل عن موقع المسؤولية حين يفقد ثقة الناس ويثبت عجزه.

لا انتقامًا ولا تشفيًا، بل حمايةً للمؤسسات، واحترامًا لإرادة المواطنين، وإيمانًا بأن الوطن أكبر من أي مسؤول.

العلاقة التي تُبنى على المنفعة وحدها تنتهي حين تنتهي المنفعة، والعلاقة التي يقودها العناد تُتعب أصحابها حتى وهم قريبون.

أمّا العلاقة العميقة، فتعرف كيف تختلف من دون أن تهين، وكيف تعاتب من دون أن تهدم، وكيف تحفظ الجميل من غير أن تجعل الجرح سجنًا.

والنسيان وإن كان مخدرًا للمشاعر ليس محوًا للماضي؛ إنّه تحرّرٌ من أسر الألم، مع حفظ ما كان صادقًا ونبيلًا.

وللوطن أيضًا جراحه وذكرياته؛ مثل جراح الحبيبة فلا يجوز أن تتحوّل آلام أبنائه إلى أرقامٍ عابرة، ولا أن تُنسى تضحياتهم عند تبدّل المصالح.

قطرات الدم أعمق من أن تُراق بلا معنى، وأغلى من أن تُستعمل شعارًا أو ذريعة؛ هي أمانةٌ في أعناق الجميع، تفرض أن نصون الحياة، ونحمي الناس، ونمنع تكرار المآسي، ونحاسب كلّ من تسبّب في الظلم أو أضاع الأمانة وفق القانون والبيّنة.

إلى الحبيبة التي تسكن القلب، وإلى الوطن الذي يسكن الروح: قد تباعد بيننا المسافات، وقد تعصف بنا الخيبات، لكن الحبّ الصادق لا يُقاس بالقرب وحده، والوطن لا يغيب ما دام في أبنائه قلبٌ يحبّه ويدٌ تعمل لأجله.

نحبّهما، الوطن والحبيبة، لا لأنهما بلا عيوب، بل لأن الوفاء يدعونا إلى صون الجميل، ومداواة الجراح، وبناء غدٍ أكثر أمانًا وكرامةً وعدلًا.