في خيال السينما، الفايكنغي رجل أشقر الضفائر يعتمر خوذة ذات قرنين، ويقضي عمره في نهب القرى والتغنّي بالدم. صورة مبهرة تُباع جيداً في شباك التذاكر. لكن المؤرخ يعرف أن القرنين من وحي مصممي أزياء المسرح في القرن التاسع عشر، وأن الشعب «المحارب بالفطرة» بضاعة صنعتها الرومانسية القومية وأتقنت تسويقها هوليوود.
أما الحقيقة فمتواضعة، وإن كانت أصدق. كان الإسكندنافيون في الدنمارك والنرويج والسويد فلاحين وصيادين وتجاراً وبنّائي سفن، وفي ظروف تاريخية بعينها خرج من بينهم من ركب البحر غازياً أو تاجراً أو مستكشفاً. فليس كل إسكندنافي فايكنغاً، وليس كل فايكنغ محارباً محترفاً. من يخلط بين الأمرين لا يقرأ التاريخ، بل يشاهد فيلماً.
الحكاية التي تُغني عن الفهم
في تونس اليوم أسطورة تشبه الخوذة المسرحية في كل شيء إلا الأزياء: أسطورة «تصحيح المسار».
يقدّم أنصار الرئيس قيس سعيّد ما جرى في 25 جويلية 2021 على أنه خلاص ملحمي: دولة على حافة الهاوية، ومنظومة فاسدة تُجتثّ، وبطل نزيه يُصلح ما أفسده الدهر. حبكة مكتملة الأركان بأبطالها وأشرارها وخاتمتها السعيدة الموعودة. غير أن الحبكة الجميلة لا تُثبت صحة الحدث، فالفايكنغ المقرَّن كان جميلاً أيضاً.
ثلاث حيل في صناعة الأسطورة
أولاها اختزال المركّب في صورة واحدة. اختُزلت أزمة تونس بعد 2011 بكل تشعباتها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية في ثنائية فجّة: «منظومة فاسدة» و«منقذ». والتعقيد حين يُمحى لا يختفي، بل ينتظر من يدفع ثمنه.
وثانيتها قلب القاعدة المنطقية. فما دام النظام قد حكم على «عشرية الحرية» كلها بأنها فاسدة، صار كل من تحدث عن افتكاك الثورة وعودة الاستبداد فاسداً بالتبعية. وبهذا يتحول الدفاع عن مكسب الحرية إلى تهمة، ويصير الحنين إلى الحق في الاختلاف دليل إدانة. هكذا لا يُردّ على الحجة بحجة، بل تُسقَط عن صاحبها أهلية الكلام.
وثالثتها إحلال الصورة محل الوقائع. وهنا تفترق الأسطورة عن الأرشيف، فلننظر في الأرشيف.
ما تقوله الوقائع لا الشعارات
تقول هيومن رايتس ووتش إن سعيّد استحوذ على السلطة في 25 جويلية 2021، فبدأ انزلاقاً نحو الاستبداد بعد خمس عشرة سنة من انتفاضة 2011. وفي ملف «التآمر على أمن الدولة» الشهير، صدرت أحكام بلغت 66 سنة بحق معارضين من جبهة الخلاص الوطني، اعتُقل قادتها منذ 2023. ووصفت منظمة العفو الدولية المحاكمة بأنها محاكمة صورية مليئة بالانتهاكات. وفي المراجعة التي أجرتها هيومن رايتس ووتش لملف القضية، خلصت إلى أن الاتهامات غير مسنودة بأدلة موثوقة.
ثم جاءت أحكام ديسمبر، إذ نال كل من شيماء عيسى وعياشي الهمامي ونجيب الشابي عقوبات بلغت 20 و5 و12 سنة على التوالي. واعتُقل الشابي، وهو ابن النضال المعارض منذ سبعينيات القرن الماضي، وعمره 82 عاماً، لتنفيذ حكم بالسجن 12 سنة.
وبعد المعارضين جاء دور الصحفيين، أصحاب القلم والميكروفون. فالزميل زياد الهاني، أحد مؤسسي نقابة الصحفيين التونسيين، حُكم عليه بالسجن سنة في 7 ماي 2026 بسبب تدوينات ناقدة للسلطة، ثم أُيّد الحكم استئنافياً في 26 جوان. وجريمته، كما نقلت وكالات الأنباء، أنه انتقد قضاة رأى أنهم أدانوا زملاء له ظلماً. ولم يكتفِ الأمر بذلك، فبعد أشهر، أصدرت الدائرة المختصة بقضايا الإرهاب في تونس حكماً بأربع سنوات عليه بتهمتي «تكوين وفاق إرهابي» و«عدم الإبلاغ عن جريمة إرهابية». وقالت منظمة مراسلون بلا حدود إن الصحفي الذي يؤدي عمله ليس مجرماً، فضلاً عن أن يكون إرهابياً.
والزميل زياد ليس وحيداً في الزنزانة، فقد أحصت لجنة حماية الصحفيين خمسة صحفيين مسجونين في تونس، إلى جانبه: محمد اليوسفي ومراد الزغيدي وبرهان بسيس وهاجر العوادي، مع ستة آخرين على الأقل صدرت بحقهم أحكام بالسجن وبقوا أحراراً أو في المنفى، وسيف العقوبة مسلّط على رقابهم. هكذا يصبح الصحفي «مشتبهاً به» والحقيقة «مؤامرة»، ويكتب النظام تاريخه بيد القاضي بعد أن أُسكتت أقلام المؤرخين.
أما القضاء، الذي يُفترض أن يكون ملاذ المتهم، فتقول هيومن رايتس ووتش إنه تحت سيطرة السلطة التنفيذية منذ إجراءات 2022. وفي نوفمبر 2025 قررت الحكومة تعليق نشاط 14 منظمة حقوقية.
وحين طالب البرلمان الأوروبي بالإفراج عن المعتقلين بسبب التعبير عن آرائهم، ردّ الرئيس بأن القرار تدخل سافر، وأن الاتحاد الأوروبي يمكنه أن يتعلم منا دروساً في الحقوق والحريات. دروس في الحريات من بلد تعدّ منظمات حقوقية أن أغلب معارضته صارت وراء القضبان. هذا ما يمكن تسميته مفارقة الخوذة ذات القرنين بحق: أن يُقدَّم المسرح على أنه تاريخ.
الحكم للزمن لا للتسمية
كلمة «تصحيح» تحمل حكمها في جوفها، فهي تفترض خطأً مُجمَعاً عليه وصواباً معلوماً. لكن السياسة ليست جدول ضرب. ما يسميه فريق تصحيحاً يسميه فريق آخر انقلاباً على المسار الدستوري. ومن ينصّب نفسه «مصحِّحاً» قبل أن تنطق النتائج، يحاول أن يحسم الجدل بالتسمية بدل أن يكسبه بالإنجاز.
وللإنصاف، فللمؤيدين حججهم: غضب حقيقي من أداء الطبقة السياسية بعد 2011، وشلل برلماني، وانهيار الثقة في الأحزاب. والسلطة تنفي أن تكون الملاحقات سياسية، وتؤكد أن القضاء مستقل وأن المتهمين يُحاكمون على وقائع لا على آراء. غير أن الغضب المشروع لا يمنح شيكاً على بياض، ولا يحوّل جواباً سياسياً واحداً إلى حقيقة منزّلة.
خاتمة
انتهى الفايكنغ الحقيقيون في كتب المؤرخين بشراً من لحم ودم، حين نُزعت عنهم الخوذة المسرحية. وستنتهي المراحل السياسية كلها إلى الحساب نفسه: ماذا وُعد؟ وماذا تحقق؟ ومن دفع الثمن؟
وأخطر ما في الأسطورة أنها لا تكذب فحسب، بل تجعل الكذب مريحاً حتى يتبناه الناس طوعاً. وتبقى الوقائع، بسجلاتها وأحكامها وأعداد معتقليها، أعند من الشعارات. ومهما علا الهتاف، يظل التاريخ يحكم بما أُنجز لا بما رُوي.







