مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: وجوه مرّوا ولم يمرّوا..عنتر “الشاويش” الذي قتلته


ايقاع بيادته كان يدق على ممرّ زنزانتي الضيّق، يعرف الطريق وحده.خطوات على البلاط البارد، مفاتيح تصطكّ في يد عنتر وقت الاغلاق، وصمتٌ يتدلّى من السقف كستارة ثقيلة لا يجرؤ أحد على سحبها.🔸 في مزرعة طره، عامي 2006 و2007، لم تكن الحكايات تُروى بصوت عالٍ.


كانت تُكتب على الوجوه، وتُمحى بسرعة، ثم تعود لتظهر في اللحظة التي يظن فيها الجميع أنها انتهت.
عنتر جاء من قرية في الفيوم، يحمل في صدره قلبًا متعبًا، وفي عينيه فضولًا هادئًا، خمسينيّ العمر، بسيط الهيئة، يمشي كما يمشي أهل القرى حين يدخلون مدينة لا تشبههم، بخطوة محسوبة ونظرة حذرة.


لم يكن من أهل الشعارات ولا من حفظة الخطب.
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أن الإنسان حين يرى غيره محاصرًا، يشعر أن الحصار يضيق عليه هو أيضًا.
الأوامر كانت واضحة، لا لبس فيها ولا مسافة للتأويل.
لا ورقة تخرج، ولا ورقة تدخل.


كأن الكلمة أخطر من القيد، وكأن السطر يستطيع أن يعبر من بين القضبان، سألني يومًا، بصوت لا يريد إحراجًا ولا إثارة.


لماذا كل هذا الخوف من الورق؟


قلت: أكتب لأهلي، فيمنعون الرسالة كما يُمنع الزائر من الوصول إلى باب البيت، ابتسم ابتسامة قصيرة، ثم قال ما يشبه العرض وما يشبه العهد.
أوصلها أنا.
قالها كما يقول الفلاح إنه سيعبر الترعة في العتمة، لأنه يعرف الضفة الأخرى.
رفضت، لا لأنني لا أثق به، بل لأنني كنت أثق بالخطر.
لكن الإصرار كان أقوى من النصيحة، والنية كانت تمشي أمامه ولا تلتفت.
في لحظة مترددة، سلّمته ورقة واحدة.
وضعها في جيبه الخلفي، وحفظ عنوان منزلي كما يُحفظ اسم طريق قد يعود إليه يومًا، ثم مضى مع آخر الضوء.
لم يبتعد كثيرًا.
أُوقف، ضُرب، اقتيد.
الأسئلة جاءت بعد الألم، والتحقيق جاء بعد الكدمات.
ستة أشهر في السجن العسكري بمنطقة الدراسة.
قلب مريض في مكان لا يعرف التمهّل، وجسد بسيط في مواجهة ثقل لا يُقاس بالأيام.
توقف القلب فجأة، كأن النبض قرر أن ينسحب من مشهد لم يعد يحتمل البقاء فيه، خرجت وبحثت عن اسرته في الفيوم.
سألت البيوت، والوجوه، والطرقات، لم أصل إلى قبره او أسرتة، ولم أجد عنوانًا لهما، وبقي الاسم معلقًا في رأسي كجملة لم تكتمل.وشعور بالذنب لا يحتمل، تمرّ السنوات وتبقى اللحظة والصورهفي ذهني كما هي.
جيب خلفي،
ورقة مطوية،
وخطوة خرجت
ولم تعد.
ليس كل من مرّ يترك أثرًا على الأرض.
بعضهم يتركه في القلب،
حيث لا تُعلّق الصور
ولا تُرفع اللافتات.
سلامٌ على عنتر.
الرجل الذي ظنّ أن المهمة بسيطة،
فاكتشف أن الوقوف إلى جانب إنسان قد يكون أثقل واخطر من أي وظيفة،
وأبعد من الطريق
بين طره والفيوم.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى