مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب : اتفاق نقل السجناء السوريين: خطوة سورية ناجحة ومطلوبة لمسار قضائي لبناني مسيس ومأزوم

في لبنان، لا يمكن مقاربة أي اتفاق قضائي بمعزل عن سؤال جوهري ظلّ معلّقًا لسنوات: هل ما زال القضاء مستقلًا عن السياسة؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة عند قراءة اتفاق نقل المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى سوريا، لأن الأزمة لم تكن يومًا محصورة في مكان تنفيذ العقوبة، بل في العدالة التي سبقت العقوبة، أو غابت عنها.

الاتفاق، من حيث الشكل، يندرج ضمن ما يُعرف باتفاقيات نقل المحكومين المعتمدة دوليًا، والتي تسمح للسجين بتنفيذ عقوبته في بلده الأم لأسباب إنسانية وقانونية. غير أن خصوصية العلاقة اللبنانية–السورية، وسياق السنوات الماضية، تجعل من هذا الاتفاق أكثر من إجراء إداري، وتضعه في قلب نقاش سياسي وقضائي وأخلاقي أوسع.

قضاء تحت التأثير
ليس خافيًا أن القضاء اللبناني خضع، ولا يزال، لتأثيرات سياسية مباشرة وغير مباشرة، انعكست بوضوح في ملفات ذات طابع أمني أو إقليمي. وفي قضية السجناء السوريين تحديدًا، تحوّل القضاء في كثير من الأحيان من سلطة مستقلة إلى أداة ضغط سياسية، استخدمت في لحظات التوتر كوسيلة تفاوض أو رسالة غير معلنة.

لم يكن الموقوف السوري مجرد متهم أمام القضاء، بل تحوّل إلى ورقة لبنانية في معادلات داخلية وخارجية، وهو ما يفسّر طول فترات التوقيف، وبطء الإجراءات، وغياب الحسم القضائي في آلاف الملفات.

سجون بلا محاكمات
الأخطر من ذلك أن مئات السوريين لا يزالون في السجون اللبنانية من دون أي محاكمة، بعضهم منذ سنوات طويلة، في انتهاك صريح لمبدأ المحاكمة العادلة ولمهل التوقيف المعقولة.
أما أولئك الذين صدرت بحقهم أحكام، فكثير منها شابه:
• ضعف في ضمانات الدفاع
• تسريع غير مبرر في المحاكمات
• تهم ذات طابع سياسي أو أمني فضفاض

ما يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل كانت تلك الأحكام تعبيرًا عن عدالة مستقلة، أم نتيجة ظرف سياسي استثنائي؟

التعذيب وسوء المعاملة: الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها
لا يمكن تناول هذا الملف من دون التوقف عند ما تعرّض له عدد كبير من السجناء السوريين من سوء معاملة وتعذيب داخل السجون اللبنانية، وهي وقائع وثّقتها تقارير حقوقية وشهادات متكررة.
في هذا السياق، تصبح “الموافقة الخطية” على النقل مسألة إشكالية بحد ذاتها، إذ إن الإرادة الحرة يصعب الحديث عنها داخل بيئة قهرية، حيث يصبح النقل أحيانًا الخيار الوحيد للهروب من واقع لا يُحتمل.

مبادرة سورية لا يمكن تجاهلها
في المقابل، لا يمكن إنكار أهمية الخطوة التي اتخذتها الحكومة السورية بطلب نقل مواطنيها والعمل على تحسين أوضاعهم. تحريك هذا الملف بعد سنوات من الجمود يُحسب لوزارة العدل السورية، لأنه يعيد السجناء من خانة الإهمال والنسيان إلى خانة المسؤولية القانونية المباشرة للدولة.

قد لا يكون الاتفاق حلًا كاملًا، لكنه يشكّل تصحيحًا جزئيًا لمسار مختلّ، ويضع حدًا لوضع إنساني وقانوني غير مقبول استمر طويلًا داخل السجون اللبنانية.

ما بعد النقل: العفو هو الامتحان الحقيقي
نقل السجناء ليس نهاية الطريق. الامتحان الحقيقي يبدأ بعد التنفيذ، وتحديدًا في كيفية التعامل مع:
• الأحكام التي شابها خلل أو تسييس
• أو القضايا التي تحوّل فيها السجن إلى عقوبة بحد ذاته قبل الحكم

من هنا، تبرز الحاجة مستقبلًا إلى عفو رئاسي شامل أو مدروس، لا بوصفه تنازلًا، بل كأداة قانونية وإنسانية لتصحيح أخطاء مرحلة كاملة، وإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة لا لشكلها فقط.

خلاصة
اتفاق نقل السجناء السوريين من لبنان إلى سوريا قد يبدو قانونيًا من حيث النص، لكنه في العمق اعتراف ضمني بأن العدالة لم تتحقق في مكانها الصحيح.
لبنان تخلّص من عبء ثقيل، وسوريا استعادت مسؤولية مواطنيها، لكن الأفراد هم من دفعوا ثمن سنوات من التسييس والانتظار.

المطلوب اليوم ألا يُختزل الاتفاق في كونه “حلًا إداريًا”، بل أن يتحوّل إلى بداية مراجعة أوسع:
مراجعة لدور القضاء، لمفهوم المحاكمة العادلة، ولحق الإنسان في ألا يكون ضحية صراع سياسي لا علاقة له به.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى