
يعاني النظام القانوني المصري من خلل خطير بات يهدد السلم الاجتماعي، ويقوض الثقة في العدالة، وهو خلل لم يعد مقبولاً تجاهله أو تأجيل مواجهته.
ويتمثل في التوسع غير المنضبط في إصدار الأحكام الغيابية، خاصة في قضايا إيصالات الأمانة.
ففي الواقع العملي، أصبح الطريق إلى استصدار حكم غيابي ضد أي شخص مفروش بالسهولة والعبث.
إذ يكفي لمن يريد الابتزاز أن يملأ إيصال أمانة ورقياً زهيد الثمن، ثم يتوجه إلى قسم الشرطة لتحرير محضر مجاني، دون التحقق الجدي من صحة الواقعة أو إعلان المتهم على نحو قانوني سليم.
ومن ثَم تصدر أحكام غيابية تمس سمعة الناس وحريتهم، وأرزاقهم بالباطل.
وتتفاقم الكارثة حين يسعى المتهم إلى استخدام حقه القانوني في المعارضة على الحكم الغيابي، ليصطدم بعرف قضائي مستقر في كثير من المحاكم، قوامه تأييد تلك الأحكام دون تمحيص حقيقي لأدلة البراءة.
وبهذا يجد المتهم نفسه مجبراً على اللجوء إلى الإستئناف، في رحلة طويلة تستنزف موارده المادية والنفسية، بينما يظل الابتزاز قائماً والظلم واقعاً.
إن هذا الواقع لا يلحق الضرر بالأفراد وحدهم، بل يضرب صميم فكرة العدالة، ويفتح الباب أمام إساءة استخدام القانون كأداة ضغط وانتقام، بدلاً من كونه وسيلة لحماية الحقوق، وصون الحريات.
ومن هنا، فإن معالجة هذا الخلل تتطلب إرادة تشريعية وقضائية حاسمة، تبدأ أولاً بمحاسبة القضاة الذين يؤيدون أحكام رغم وضوح أدلة البراءة، دون سند قانوني أو تسبيب جاد.
كما تستلزم ثانياً : تشريعاً جديدا يمنع صدور الأحكام الغيابية في بعض القضايا، وعلى رأسها قضايا إيصالات الأمانة، مع اشتراط إعلان المتهم بشخصه قبل الفصل في الجنحة.
أما الخطوة الثالثة، فهي سن تشريع رادع يفرض غرامة لا تقل عن قيمة المبلغ المدون في إيصال الأمانة على من يثبت عليه تزويره، مع إلزامه بتعويض مماثل يُصرف للمتهم، وأن يكون الحكم مشمولاً بالصيغة التنفيذية، حتى لا يظل العقاب حبيساً داخل الأوراق فقط.
فالعدالة لا تستقيم إلا حين يدرك المسيء أن القانون لن يحميه، وحينها فقط يصبح المعنى الحقيقي للقاعدة الخالدة واضحاً (من أمن العقوبة أساء الأدب).
وعلى الله قصد السبي







