
كانت أحلامي تمتدّ بطول العالم وعرضه.
لم تكن أحلام سلطة ولا مجداً شخصياً، بل شغفاً بالمعنى، وإيماناً بأن الفكر قادر، ولو متأخراً، على تهذيب التاريخ.
في أكاديمية برلين للعلاقات الدولية، عشت كما يعيش الفلاسفة:
نقاشات مفتوحة حول الطبيعة البشرية، المجتمعات الإنسانية، تطور البشرية، والرأسمالية حين تفقد كوابحها الأخلاقية.
كنا نظن أن الوعي يسبق الخراب… ولم ندرك أن الخراب كان أسرع.
اليوم، لم يعد العالم يشبه تلك الخرائط الفكرية.
صار متاهة من ضياع وفراغ،
وصار التمسك بالقناعات إنجازاً، لا مشروع تغيير.
أندريا… زمن لا امرأة
أحنّ إلى حبيبتي الأولى، أندريا.
لا لأنّها كانت امرأة فحسب، بل لأنها كانت زمناً كاملاً.
لغة مختلفة، ثقافة مختلفة، ومع ذلك لم تكن اللغة عائقاً أمام الحب ولا الغزل ولا الطمأنينة.
كانت دليلاً بسيطاً على أن الإنسان قادر، حين يريد، أن يتجاوز الجغرافيا ليصل إلى الجوهر.
أندريا لم تعد.
تزوجت، أنجبت، مرضت… ثم خطفها السرطان.
برحيلها، لم أفقد شخصاً فقط، بل فقدت يقيناً قديماً بأن العالم ما زال قادراً على العدل.
من حلم تغيير العالم إلى الدفاع عن النفس
كنت أريد تغيير العالم.
اليوم، صار انتصاراً أن أبقى على قناعاتي:
أن أحب امرأة واحدة،
وأن تخلص لي امرأة واحدة.
أن تكون الكلمة شرفاً،
وأن يكون الموقف ثابتاً،
وألّا أحتاج إلى لغة ملتوية لأبرّر الخيانة أو أجمّل السقوط.
هذا التحوّل ليس هزيمة شخصية،
بل نتيجة طبيعية لعالمٍ لا يعاقب الكذب،
ولا يخجل من الخيانة،
ولا يرى في الثبات قيمة، بل عبئاً.
الخيانة حين تُخفَّف لغوياً
الأكثر إيلاماً ليس الخيانة نفسها،
بل الطريقة التي تُقدَّم بها.
حين تُختزل الخيانة في عبارة مثل «ورطة لفظية»،
فنحن لا نكون أمام خطأ عاطفي،
بل أمام انهيار أخلاقي كامل.
اللغة هنا لا تشرح، بل تُخفي.
لا تعترف، بل تُخفّف.
ولا تطلب الغفران، بل تتهرّب من المسؤولية.
وهنا يصبح الغضب حقاً،
لا لأن الحب انتهى،
بل لأن المعنى أُهين.
انهيار واحد… بثلاثة وجوه
ما نعيشه ليس أزمة شخصية، بل مشهداً عاماً:
سياسة تُستباح بلا خجل،
صحافة تساوم على الحقيقة،
وعاطفة تُدار بلا التزام.
حين يُحوَّل زعيم إلى فرجة،
وحين تُحوَّل الخيانة إلى تفصيل لغوي،
فهذا عالم فقد بوصلته الأخلاقية،
وصار يرى الكرامة مشهداً عابراً لا قيمة ثابتة.
أي ذنب ارتكبته؟
هذا السؤال يطارد كثيرين ممّن آمنوا أكثر مما ينبغي.
والجواب الصادق: لا ذنب.
الذنب الوحيد – إن وُجد – أنك صدّقت أن القيم ليست سذاجة،
وأن الحب مسؤولية،
وأن الكلمة عقد أخلاقي لا أداة تلاعب.
العالم لا يرهق الخونة،
بل يرهق الأمناء.







