حدث في مثل هذا اليوم

14 سبتمبر 1939.. إجبار طلعت حرب على الاستقالة من رئاسة بنك مصر

سؤال «فكيف مضت هذه الخطوة؟» لا يُفهم إلا بوضع استقالة طلعت حرب في سياقها السياسي والاقتصادي الدقيق، لا بوصفها قرارًا إداريًا عاديًا، بل لحظة فاصلة أنهت مرحلة التأسيس الوطني الحر، وفتحت الباب لمرحلة جديدة من علاقة الدولة بالاقتصاد.

كيف فُرضت الاستقالة عمليًا؟

بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1 سبتمبر 1939، دخل الاقتصاد المصري—المرتبط بالأسواق العالمية—في اضطراب حاد. تراجعت حركة التجارة، وتقلصت السيولة، وبدأت ضغوط حكومية وبريطانية تتصاعد على المؤسسات المالية الكبرى، وعلى رأسها بنك مصر.

في هذا المناخ، تحوّل بنك مصر من نموذج وطني مستقل إلى هدف مباشر:

  • لأنه كان خارج السيطرة الحكومية المباشرة.
  • ولأنه احتفظ بسيولة موظفة في مشروعات صناعية وطنية طويلة الأجل.
  • ولأن مؤسسه كان شخصية كاريزمية مستقلة القرار لا تدين بالولاء السياسي.

بدأت الحملة من وزارة المالية، ثم اتسعت عبر الصحافة والدوائر الرسمية، تحت عنوان واحد:

إدارة غير رشيدة… حجز أموال المودعين… مغامرة اقتصادية زمن الحرب.

لماذا كان طلعت حرب هو «المقصود الأول»؟

كما يوضح فتحي رضوان، لم تكن الأزمة مالية خالصة، بل سياسية بامتياز. فالطعن لم يكن في البنك بقدر ما كان في رمزه:

  • طلعت حرب كان:
    • صاحب مشروع استقلال اقتصادي.
    • غير محسوب على حزب.
    • غير خاضع لتوجيه القصر أو الاحتلال.
  • وجوده على رأس البنك كان عائقًا أمام تحويله إلى مؤسسة «منضبطة سياسيًا».

لذلك أدرك الرجل—بحدسه السياسي—أن إبعاده الشخصي قد يكون الثمن الوحيد لإنقاذ الكيان.

لحظة الاستقالة: قرار إنقاذ لا هزيمة

في 14 سبتمبر 1939، قدّم طلعت حرب استقالته طواعية في الشكل، قسرًا في الجوهر.

يصف صبري أبو المجد اللحظة بدقة:

«أصرّ على تقديمها، ظنًا منه أن ذلك كفيل بإنقاذ البنك، بعد أن فطن أنه المقصود الأول».

لم يُسقِط الرجل كرامته، ولم يُهزم فكريًا، بل:

  • اختار التضحية بنفسه لا بالمؤسسة.
  • آثر انسحاب المؤسس على تفكيك المشروع.
  • قدّم درسًا نادرًا في أخلاقيات القيادة الاقتصادية.

ماذا تغيّر بعد رحيله؟

بعد خروج طلعت حرب:

  • بقي بنك مصر قائمًا، لكن:
    • تقلصت جرأته الصناعية.
    • زادت الرقابة الحكومية.
    • تحوّل تدريجيًا إلى بنك «تقليدي» أكثر حذرًا.
  • توقفت روح المغامرة الوطنية الكبرى التي ميّزت مرحلة 1920–1939.

ولهذا كتب فتحي رضوان عبارته القاطعة:

«بقي بنك مصر، لكن غاب العصر».

الخلاصة التاريخية

استقالة طلعت حرب لم تكن:

  • فشلًا ماليًا،
  • ولا إدانة إدارية،
  • ولا تراجعًا عن الفكرة.

بل كانت:

أول مواجهة مباشرة بين مشروع اقتصاد وطني مستقل، ودولة لم تحتمل استقلاله.

ومن هنا، لم يكن طلعت حرب مجرد مصرفي، بل—كما قال رضوان بحق—أحد مؤسسي الدول.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى