مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: لمن زعامة طرابلس؟

لم تكن الأبنية التي انهارت مجرد حوادث عرضية في مدينة منكوبة، بل كانت إعلانًا فجًا عن حقيقة طال إنكارها: طرابلس نفسها تنهار. الجدران التي سقطت لم تسقط فجأة، بل سقطت بعد سنوات من الإهمال، كما سقطت قبلها قيمة المدينة في وجدان الدولة، وكما سقطت معها هيبة السياسة ومعنى القيادة.

في مدينة تتداعى أبنيتها فوق رؤوس ساكنيها، لا يمكن الحديث عن خلل تقني أو صدفة مؤسفة. الانهيار عمراني، نعم، لكنه قبل ذلك سياسي وأخلاقي. فحين تغيب الدولة، ويغيب القرار، وتغيب المحاسبة، يصبح سقوط الحجر نتيجة طبيعية لسقوط المسؤولية. وحين تتحول المدينة إلى مساحة متروكة، يصبح الموت تحت الركام مجرد تفصيل في مشهد الانحدار العام.

الأكثر قسوة، أن هذا الانهيار العمراني يتزامن مع انهيار اجتماعي شامل. الفقر لم يعد ظاهرة عابرة، بل أصبح البنية العميقة للحياة اليومية. أحياء كاملة تعيش خارج الزمن، خارج التنمية، خارج الأمل. الجهل يتمدد حيث كان يفترض أن يكون العلم، والتخلف يحتل المساحة التي كانت يومًا مجالًا للنهوض. لم تعد الأزمة مجرد نقص في الموارد، بل أصبحت نقصًا في المشروع، وفي الرؤية، وفي الإرادة.

في هذا الفراغ، برزت الهزالة السياسية بكل وقاحتها. لم تعد السياسة في طرابلس تعبيرًا عن قضية عامة، بل تحولت إلى سباق على الألقاب. طامحون كثر، لكن بلا مشروع. حضور كثيف، لكن بلا أثر. ضجيج سياسي يغطي على خواء كامل. لم يعد السؤال: من يستطيع إنقاذ المدينة؟ بل أصبح: من يستطيع احتلال موقع في مدينة تغرق؟

الأخطر من ذلك، هو الانسحاب شبه الكامل للنخبة. النخبة التي كان يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن هوية المدينة ودورها، اختارت الصمت أو العزلة أو التكيف. ومع غيابها، فُتح الباب واسعًا أمام صعود طموحات شخصية مدفوعة بهاجس الوجاهة، لا بثقل المسؤولية. أصبح المنصب وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية، لا أداة لإنتاج التغيير. وأصبحت السياسة، في كثير من وجوهها، شكلًا بلا مضمون.

لقد سمح غياب النخبة بانحدار المعايير. لم يعد هناك ميزان حقيقي يفرّق بين من يملك مشروعًا ومن يملك طموحًا فقط. اختلطت الأدوار، وتساوت القامات، وأصبحت المدينة أسيرة مشهد سياسي لا يرقى إلى مستوى مأساتها.

طرابلس، التي كانت يومًا مدينة المبادرة والتأثير، أصبحت مدينة تنتظر. تنتظر من ينقذها، من يمثلها، من يعيد إليها دورها في لبنان. لكنها، في الواقع، لا تحتاج إلى مزيد من الطامحين، بل إلى من يمتلك الشجاعة لإعادة تعريف معنى القيادة.

فالزعامة لا تُقاس بعدد الصور، ولا بحجم الحضور، بل بالقدرة على منع السقوط.

وطرابلس سقطت كثيرًا… لأنها لم تجد بعد من يمنع سقوطها.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى