
لم تكن كلمة مسعد بولس أمام مجلس الأمن مجرد مداخلة دبلوماسية في ملف نزاعٍ إقليمي، بل كانت إعادة إنتاج كاملة لخطاب “المعادلة الأخلاقية الكاذبة” الذي يقوم على مساواة الدولة بالمليشيا، وتمييع المسؤولية، وإعادة صياغة الصراع بلغة تُفرغ الحقائق من مضمونها السياسي والقانوني. هذا النوع من الخطاب لا يُكتب لشرح الواقع، بل لإعادة هندسته بما يخدم ترتيبات قادمة، وهو ما يجعل قراءته ضرورة ليبية بقدر ما هو شأن سوداني.
في توصيفٍ يحمل قدرًا كبيرًا من التضليل السياسي والأخلاقي، قال بولس إنه “لا يوجد فاعل جيد في هذا النزاع”، واضعًا الطرفين في كفة واحدة. هذا الطرح يتجاوز كل ما وثقته التقارير الدولية نفسها، التي تحدثت بوضوح عن جرائم تحمل سمات الإبادة الجماعية، وعن مليشيا مارست التهجير القسري والقتل المنهجي واستهداف المدنيين. المساواة هنا ليست خطأً لغويًا، بل موقف سياسي مقصود يهدف إلى إسقاط مفهوم الشرعية، وتحويل التمرد المسلح إلى “طرف سياسي” يمكن إدخاله في تسوية.
الخطاب استخدم الأرقام الإنسانية بكثافة: نزوح، مجاعة، انهيار خدمات، لكنه تعمّد حذف الفاعل السياسي والعسكري الذي صنع هذه المأساة. لم يُطرح سؤال الحصار، ولا سؤال تدمير المستشفيات، ولا سؤال نهب المساعدات، ولا من استخدم التجويع كسلاح. حين تُذكر الكارثة بلا فاعل تتحول إلى ظاهرة طبيعية، وتسقط فكرة المساءلة، ويُفتح الباب أمام تسوية تُبقي الجناة داخل المشهد.
ثم جرى نقل الصراع إلى مستوى أيديولوجي عبر الحديث عن “شبكات إسلامية”، دون أدلة علنية، في محاولة لإعادة تعريف الحرب بوصفها صراعًا فكريًا لا تمردًا مسلحًا مدعومًا بالسلاح والمال. هذا التحويل ليس تفصيلًا، بل آلية سياسية لإعادة ترتيب الأولويات: بدل تفكيك البنية المسلحة غير الشرعية، يجري الحديث عن انتقال مدني تحت سقف وجودها.
الأكثر دلالة كان الصمت الكامل عن مسارات السلاح والدعم اللوجستي العابر للحدود. فالرجل تحدث عن العمل مع أطراف إقليمية لصناعة السلام، لكنه لم يذكر مصدر استمرار الحرب. الحديث عن هدنة دون معالجة خطوط الإمداد ليس حلًا، بل تثبيتًا لواقع المليشيا بوصفها قوة أمر واقع تُدمج لاحقًا في العملية السياسية.
عبارة “لا يوجد حل عسكري” التي تبدو في ظاهرها دعوة للسلام، تُستخدم هنا كمدخل سياسي لفرض تسوية تُبقي التمرد قائمًا، وتحوّل السلاح إلى ورقة تفاوض، وتمنح المليشيا شرعية لم تحصل عليها في الميدان ولا في القانون.
هذه المنهجية في إدارة الصراعات – مساواة الشرعي بغير الشرعي، تمييع المسؤولية، فرض تسويات قبل تفكيك السلاح – هي نفسها التي تُطبخ اليوم في أكثر من ملف، وهي ما يجب أن تقرأه ليبيا بوعيٍ كامل.
ما جرى في خطاب مجلس الأمن لا يتعلق بالسودان وحده. إنه نموذج لطريقة إدارة النزاعات في المرحلة القادمة، حيث يجري تجاوز المسارات الأممية التقليدية، وتهميش دور البعثات، ونقل الملفات إلى غرف مغلقة يديرها “وسطاء” يبحثون عن صفقة لا عن دولة.
وهنا يظهر الخطر الليبي بوضوح.
فالشخص نفسه الذي أعاد إنتاج هذه السردية هو الذي يتحرك في الملف الليبي، ويرعى لقاءات بين أطراف الصراع خارج الأطر الأممية، ويقدم نفسه بوصفه صانع تسويات. التجربة السودانية تكشف طبيعة الدور: ليس وسيطًا محايدًا، بل سمسار صفقات يبحث عن ترتيب سريع يمنحه موقعًا داخل منظومة دولية جديدة، حتى لو كان الثمن إعادة إنتاج الأزمة داخل قالب سياسي جديد.
ليبيا، التي لم تستعد بعد سيادتها على قرارها السياسي ولا على ثروتها، ستكون البيئة المثالية لمثل هذا النموذج إن لم يُقرأ المشهد مبكرًا. لأن تسوية تُبنى على مساواة الدولة بمن حمل السلاح ضدها، وعلى القفز فوق المسارات الدستورية، وعلى خلق أجسام جديدة خارج الاتفاقات القائمة، لن تنتج دولة، بل ستعيد تدوير الانقسام بواجهة مختلفة.
الخطر ليس في خطابٍ قيل في نيويورك، بل في المنهج الذي يقف خلفه.
وحين تُدار الأزمات بمنطق الصفقات، يصبح الوطن كله ورقة تفاوض.
ولهذا فإن التحذير لليبيا اليوم ليس سياسيًا فقط، بل وجودي: ما يُطبخ في ملفات المنطقة هو نموذج لإدارة دولٍ بلا سيادة، وتحويل الصراعات إلى أسواق، وصناعة “سلامٍ” يبقي أدوات الحرب داخل السلطة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن قبل فوات الأوان:
هل ستكون ليبيا دولة تُبنى عبر إرادة شعبها ومسارها الدستوري، أم ملفًا يُسلَّم لسمسار يبحث عن صفقة جديدة؟







