مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: أجندة إعادة رسم الشرق الأوسط: بين الطموح الإسرائيلي والتحولات الإقليمية

ما يجري منذ اندلاع حرب غزة – أو ما عُرف بـ”طوفان الأقصى” – لا يمكن فهمه باعتباره مواجهة عسكرية ظرفية، بل كجزء من مسار استراتيجي أوسع يسعى إلى إعادة صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط. هذا التصور تعزّز رمزيًا بما طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمته في الأمم المتحدة، عندما عرض خريطة قال إنها تمثل “شرق أوسط جديد”، في إشارة إلى مشروع يتجاوز حدود غزة نحو إعادة ترتيب الإقليم سياسيًا وأمنيًا.

أولًا: من المواجهة العسكرية إلى هندسة الواقع

التحول الأبرز في هذه المرحلة هو الانتقال من منطق “الردع والاحتواء” إلى منطق “إعادة التشكيل”. فالتوسع لا يُختزل في السيطرة العسكرية، بل يمتد إلى إعادة هندسة المجال الديمغرافي والسياسي عبر فرض وقائع تدريجية يصعب التراجع عنها.

في هذا السياق، تتداخل الأبعاد الأيديولوجية مع الحسابات الأمنية؛ إذ تُستحضر مفاهيم مثل “إسرائيل الكبرى” أو “مملكة داوود” في الخطاب الرمزي، بينما يُترجم ذلك عمليًا إلى خطوات ميدانية وقانونية تعيد تعريف حدود السيطرة الفعلية.

دوليًا، تستفيد هذه المقاربة من بيئة عالمية مضطربة: الحرب في أوكرانيا، التنافس الأميركي–الصيني، وأزمات الطاقة والاقتصاد. هذا الانشغال الدولي يخلق هامشًا زمنيًا يسمح بفرض ترتيبات جديدة قبل أن تتبلور ضغوط مضادة فاعلة.

ثانيًا: الضفة الغربية… إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية

الضفة الغربية تمثل المحور الأكثر حساسية في أي مشروع لإعادة رسم الخريطة. فبدل اللجوء إلى ضم شامل ومباشر، يبدو أن المقاربة تقوم على سياسة تراكمية تقوم على:
   •   توسيع الاستيطان ومنحه أطرًا قانونية داخلية.
   •   تكريس السيطرة الأمنية في المناطق المصنفة (ج).
   •   إضعاف البنية المؤسسية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية.

النتيجة المتوقعة، إذا استمر هذا المسار، هي خلق واقع جغرافي مجزأ يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا بالغ الصعوبة، ويحوّل الكيان الفلسطيني المحتمل إلى صيغة حكم ذاتي محدود تحت مظلة سيطرة أمنية إسرائيلية غير معلنة بالكامل.

ثالثًا: غزة… إدارة أزمة لا حسمها

في غزة، تتقاطع العمليات العسكرية مع ضغط إنساني كثيف يُنتج بيئة هشة سياسيًا وديمغرافيًا. ومع أن بعض السيناريوهات طُرحت حول إعادة توطين أو تهجير واسع، فإن هذا الخيار يصطدم بعوامل إقليمية ودولية معقدة:
   •   الرفض المصري والأردني لأي تغيير ديمغرافي دائم.
   •   حساسية الرأي العام العربي.
   •   المخاوف الأوروبية من موجات لجوء جديدة.

لذلك تبدو غزة ساحة “إدارة أزمة طويلة الأمد”، حيث يتم تثبيت ترتيبات أمنية تدريجية بدلاً من الوصول إلى تسوية نهائية سريعة

رابعًا: اتساع نطاق التهديد… تركيا وإيران في الحسابات

أي إعادة رسم للخرائط لا تبقى محصورة في الساحة الفلسطينية. تركيا تنظر إلى أي تغيير جذري باعتباره قد يمتد إلى شمال سوريا وشرق المتوسط، ما يمس مصالحها الاستراتيجية. أما إيران، فترى في التطورات استهدافًا مباشرًا لمحور نفوذها الإقليمي، وهو ما يفسر تصاعد خطاب الردع والتهديد المتبادل.

هذا يفتح الباب أمام:
   •   استمرار صراعات منخفضة أو متوسطة الحدة.
   •   تكريس نمط المواجهات غير المباشرة.
   •   إعادة تشكيل محاور إقليمية وفق منطق الردع المتبادل.

خامسًا: التحالفات الصامتة وإعادة التموضع

المرحلة الراهنة تتسم بسيولة سياسية وتحالفات غير معلنة تعكس إعادة حسابات عميقة. وفي هذا السياق، أُثيرت تساؤلات حول الغياب الإعلامي لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، مع تحليلات تربط ذلك باحتمالات تغيرات داخلية.

غير أن قراءة أي تحولات محتملة يجب أن تتم ضمن إطار أوسع: فدول الخليج تواجه معادلة دقيقة بين التطبيع، ومتطلبات الأمن الداخلي، والحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى الكبرى. وبالتالي، فإن أي تغير – إن حدث – غالبًا ما يعكس إعادة تموضع استراتيجي أكثر منه مجرد تبدل شخصي.

سادسًا: العامل الحاسم… صلابة الداخل

في نهاية المطاف، يتوقف مسار إعادة التشكيل على صلابة الجبهات الداخلية في دول المنطقة. فالمعادلات لا تُحسم فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر:
   •   قدرة الأنظمة على امتصاص الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
   •   مستوى التماسك الشعبي.
   •   شكل الاصطفافات الدولية في ظل تحولات النظام العالمي

خلاصة استراتيجية

الشرق الأوسط يقف أمام لحظة مفصلية عنوانها “إعادة التموضع”. إسرائيل تسعى – وفق هذا الطرح – إلى تثبيت وقائع استراتيجية جديدة مستفيدة من انشغال النظام الدولي، فيما تحاول القوى الإقليمية منع انتقال الخلل إلى عمقها الاستراتيجي.

المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على تعريف الأمن القومي، وعلى شكل النظام الإقليمي القادم، وعلى الخرائط التي قد تتحول من تصورات نظرية إلى أمر واقع في مرحلة ما بعد العاصفة

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى