
انتهت مفاوضات الجولة الثانية بين الولايات المتحدة وإيران التي استمرّت لأكثر من ثلاث ساعات، ونجمت عنها خطوط عريضة تشكل القواعد والخطوات الأساسية المقبلة للمفاوضات، مما يدلّ شكلاً على تقدّم نسبي في الحوار، بعد جولات سابقة صعبة من الخلافات المستحكمة. في العمق، هناك تفاصيل مفصلية حاسمة، وخلافات جوهرية، وتباينات واضحة بين الجانبين، لم يتمّ التوصل إلى تجاوزها أو احتوائها بعد، والتي تدور حول مدى رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وتحديد مستوى تخصيب اليورانيوم، اذ تريد أميركا فرض قيود مشدّدة على البرنامج النووي الإيراني، فيما طهران تتمسك وتؤكد حقها في التخصيب لأغراض سلمية بالإضافة إلى مسائل أمنية ضاغطة أخرى.
جاءت المفاوضات في جو مشحون بالتصعيد والتهديدات المتبادلة، ففي الوقت الذي تحشد فيه واشنطن أساطيلها الحربية وتعزز وجودها العسكري، أجرت طهران تدريبات عسكرية واسعة قرب مضيق هرمز. الاتفاق على خطوط عريضة يعني أنّ الجانبين توصلا إلى عناوين أساسية يمكن البناء عليها في المفاوضات المقبلة، لكن هذا، ليس تفاهماً واتفاقاً شاملاً حول نص اتفاق نهائي، وآلية تنفيذه. إنه بمثابة خريطة طريق يُبنى عليها، للشروع بعد ذلك في صياغة نص اتفاق بين الجانبين مستقبلا. لا شك في أنّ خلافات عميقة حول مواضيع نووية وأمنية واقتصادية أساسية حساسة تنتظر التوافق حولها. إيران من جهتها تطالب برفع معظم العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، فيما واشنطن تريد ضمانات قبل رفع القيود الواسعة عن طهران.
إذا كان الاتفاق على الخطوط العريضة يفتح مساراً دبلوماسياً، ويفسح مجالاً للحوار بعد جولات طويلة من الجمود، إلا أنه لا يضمن أن تتوصّل قريباً الولايات المتحدة وإيران إلى نص نهائي لمسودة الاتفاق، لأنّ مناقشة المسائل القانونية، والتقنية المتعلقة بالبرنامج النووي، ورفع العقوبات، ستجعل من المفاوضات أكثر صعوبة وتعقيداً. الاتفاق على الخطوط العريضة، يشير إلى تهدئة تكتيكية لم تصل بعد إلى الهدف النهائي، الذي تركز عليه كلّ من واشنطن وطهران، إذ انّ الفجوة لا تزال عميقة بين البلدين. الولايات المتحدة تصرّ على تحجيم البرنامج النووي إلى حده الأدنى أو وقفه نهائياً، فيما إيران تريد رفع العقوبات وعدم التنازل عن حقها السياديّ في تخصيب اليورانيوم .
إنّ التوصل إلى تفاهم مرحلي، مقابل تخفيف محدود للعقوبات، يعتي زيادة صادرات النفط الإيرانية، وانخفاض محدود في أسعار الطاقة، وخفض مستوى التوتر الأمني في المنطقة، وإنْ بقيت معادلة الردع قائمة. أما إذا انهارت المفاوضات، فسيترتب عنها فرض الولايات المتحدة المزيد من العقوبات على إيران، وستؤدي إلى ارتفاع في أسعار النفط نتيجة المخاوف والمخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، مما يشعل الاضطرابات في الأسواق العالمية، وفي ارتفاع حدة التصعيد والمواجهة العسكرية.
لكن ماذا عن موقف “إسرائيل” من المفاوضات النووية؟! مبدئياً، نتنياهو يعارض بالمطلق أيّ اتفاق نووي غير صارم، يترك لإيران بنية تحتية للتخصيب، بل يطالب بشراسة، تفكيكاً واسعاً للقدرات النووية الإيرانية الحساسة، كأجهزة الطرد المركزي، ومخزون كمية اليورانيوم. كما يريد إدراج برنامج الصواريخ، وسياسة إيران في المنطقة ضمن أيّ صفقة! لذا يريد نتنياهو اتفاقاً متشدّداً للغاية، يبعد إيران بالكامل عن السلاح النووي، مع إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً وعامل ضغط، على أن تحتفظ “إسرائيل” بحرية التحرك العسكري إذا ما شعرت بأيّ تهديد مباشر موجه ضدها.
ترامب الذي يبحث عن صفقة أفضل، معززة بضغوط اقتصادية واسعة، وعقوبات قصوى، فهو يريد اتفاقاً نووياً أشدّ من الاتفاق السابق الذي تمّ في عهد أوباما عام 2015. ترامب يميل إلى معالجة الملف النووي أولاً، لينتقل بعدها إلى معالجة الملفات الأخرى. إنه يريد اتفاقاً نووياً مرضياً للولايات المتحدة ولـ “إسرائيل” لتسويقه في الداخل الأميركي، والترويج له، على اعتبار أنه إنجاز كبير حققه دون الانخراط في عملية عسكرية مكلفة، مع الحفاظ على الردع، وجعل الخيار العسكري هدفاً جاهزاً حين تدعو الحاجة. ترامب يريد تحقيق إنجاز تفاوضي واضح ليرضي قاعدته الجمهورية، ويثبت بالتالي فعالية سياسته المتمثلة بالضغوط القصوى، دون الانزلاق إلى حرب قد تأخذ الكثير من رصيده الشعبي. لذلك يريد صفقة قوية مع إيران قابلة للتطبيق، بدلاً من اللجوء إلى خيار عسكري واسع، فيما نتنياهو يتعامل مع ملف البرنامج النووي الإيراني، كتهديد وجودي مباشر لكيانه، لا كملف تقني تفاوضي، ويرى أنّ اتفاقاً نووياً سيترك لإيران قدرة على التخصيب، ما يجعل “إسرائيل” تنظر إليه كخطر استراتيجي مؤجل.
لذا يريد نتنياهو ضمانات أمنية طويلة الأمد، حتى لو أدى به الأمر إلى عرقلة المفاوضات وما قد ينجم عنها من اتفاق منتظر. لذلك تتأهّب “إسرائبل” وتتحرك منفردة ضدّ البرنامج النووي، إذا ما لجأت واشنطن إلى صفقة لا تلبّي شروط نتنياهو. الجدير هنا معرفة مدى مستوى التنسيق بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” في هذا المجال، وعما إذا كان يوجد ضوء أخضر أميركي أو رفض صريح لأيّ عمل عسكري قد تقوم به “إسرائيل”، في حين يعتبر نتنياهو، أنّ الاحتفاظ بخيار الضربة الوقائية، هو جزء من عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي! لذلك يشنّ حملة علنية ضدّ أيّ اتفاق نووي مع إيران، ويتخذ موقفاً معارضاً للمفاوضات مثل ما فعل عام 2015 عند توقيع إيران الاتفاق النووي مع المجموعة 5+1. نتنياهو لن يتردّد في تحريك اللوبيات اليهودية والصهيونية داخل الكونغرس، والبيت الأبيض، وتسريب معلومات استخبارية خطيرة لرفع سقف شروطه.
في إيران، تفاعلت الأوساط السياسية والإعلامية بشكل محدود مع جولة المفاوضات الثانية في جنيف، حيث لم تلمس هذه الأوساط أيّ فعل إيجابي من الجانب الأميركي لتبديد عدم الثقة عند القيادة الإيرانية. إذ في الوقت الذي تقدّم المفاوض الإيراني بجملة اقتراحات يبدّد فيها القلق الأميركي حيال البرنامج النووي، ومنها وضع آلية واقعية لرفع العقوبات، لم يصدر عن الجانب الأميركي تقييم واضح لنتائج هذه الجولة من المفاوضات، ما عدا تصريحات مبهمة لا ذكر للعقوبات فيها، ولا لطبيعة وهدف الحشود العسكرية، ولا لأيّ مؤشرات إيجابية تقدّمت بها واشنطن!
مخاض المفاوضات عسير، حيث تبقى كلمة الفصل لواشنطن لجهة ما إذا كانت تريد فعلاً اتفاقاً يرضي الطرفين، أم أنها تريد إجهاض الاتفاق عمداً من خلال شروط تعجيزية لا يمكن لطهران أن تقبل بها لا من قريب ولا من بعيد! إنّ رفض إيران لشروط واشنطن التعجيزية، تجعل ترامب يندفع إلى الخيار العسكري الذي يلحّ عليه نتنياهو، بمعزل عن النتائج المدمّرة للمنطقة، والتداعيات السلبية على اقتصادات دول العالم كلها.
رغم ما ينتظر واشنطن وطهران من مفاوضات لاحقة، فالمعطيات تشير إلى انّ ترامب بشروطه يعرقل الحلّ، ليضع المسؤولية على إيران، ويعطي لنفسه وللولايات المتحدة أمام العالم “مبرّراً” لشنّ هجوم عسكري واسع النطاق على إيران، يريد منه فرض قراره بالقوة، بعد أن عجز عن انتزاعه عن طريق الضغوط السياسية، والعقوبات الاقتصادية الخانقة. فلتتحضّر المنطقة للحرب، إلا أذا طرأت معجزة في اللحظات الأخيرة، وهذا أمر مستبعد نظراً لما يكنّه ترامب للنظام الإيراني من عداء وكراهية شديدين. إنه يخيّر إيران بين الرضوخ لمطالبه التعجيزية سلماً، أو بهجوم عسكري كبير عليها. جواب طهران حاسم وهي صمّمت على مواجهة أيّ عدوان بكلّ قوة وبروح وطنية عالية…







