تداعيات الموازنة العامة وأزمة الاستدامة الاقتصادية في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة

تواجه الموازنة العامة ضغوطا غير مسبوقة بسبب تصاعد تكاليف العاصمة الإدارية الجديدة التي سجلت أرقاما قياسية في الحساب الختامي الأخير لعام 2025/2024، حيث كشفت البيانات الرسمية عن وصول الإنفاق الكلي إلى نحو 7.53 مليار جنيه مصري، ويمثل هذا الرقم قفزة نوعية مقارنة بالعام المالي المنصرم الذي توقف فيه الإنفاق عند 6.6 مليار جنيه، مما يعني إضافة أعباء مالية تقدر بنحو 920 مليون جنيه خلال اثني عشر شهرا فقط، وهو ما يضع علامات استفهام حول كفاءة إدارة الموارد في ظل الأزمة الراهنة التي تعصف بالاقتصاد القومي وتثقل كاهل الخزانة المثقلة بالديون والالتزامات السيادية.
تستنزف بنود الإيجارات والصيانة النصيب الأكبر من مخصصات العاصمة الإدارية الجديدة حيث يستحوذ إيجار المقرات الحكومية وحده على 4.16 مليار جنيه، بينما تلتهم عمليات التشغيل الفني والصيانة الدورية مبلغا قدره 2.27 مليار جنيه، وتتوزع بقية المصروفات بين بدلات انتقال الموظفين التي بلغت 641 مليون جنيه وتوفير السكن بقيمة 457 مليون جنيه، وتشير هذه الإحصائيات إلى تحول المشروع إلى بند استنزاف دائم في الهيكل المالي للدولة، خاصة مع تقديرات دولية سابقة أشارت إلى أن التكلفة الإجمالية للمشروع قد تصل إلى 59 مليار دولار، وهو ما ساهم بشكل مباشر في تعميق فجوة المديونية وتراجع مستويات المعيشة.
مخاوف دستورية من توجهات الاستقلال الإداري وتفكيك المركزية
تتصاعد التحذيرات من مشروع القانون الذي يستهدف منح العاصمة الإدارية الجديدة وضعا اعتباريا كمقاطعة مستقلة بصلاحيات واسعة يعين السيسي مجلس أمنائها، ويرى مراقبون مثل الدكتور سعيد عفيفي وحزب تكنوقراط مصر أن هذا التوجه يمثل خرقا صريحا للمادة 200 من الدستور، حيث يهدد بتفكيك وحدة الدولة المصرية وتمييز جغرافيا إدارية على حساب الأقاليم الأخرى، وتعتبر هذه الخطوة القانونية محاولة لإنشاء كيان مواز يبتعد عن الرقابة الشعبية التقليدية، مما يؤدي إلى خلق تفاوت طبقي وإداري حاد يكرس مفهوم الانفصال عن العاصمة التاريخية التي تعاني من التهميش وتراكم الأزمات الهيكلية.
تثير ملكية الأراضي في العاصمة الإدارية الجديدة جدلا واسعا بعد منح المؤسسة العسكرية مساحة تقدر بنحو 215 ألف فدان أي ما يعادل 966 مليون متر مربع دون مقابل مالي، وتبلغ القيمة السوقية لهذه الأراضي أكثر من 3 تريليونات جنيه مصري وهو ما يوازي ثلثي إيرادات الدولة الكلية، وفي المقابل تتكتم السلطات على التكلفة الحقيقية للقصور الرئاسية التي تشير تقديرات غير رسمية إلى أن تكلفة الطابق الواحد فيها بلغت 2.25 مليار جنيه بإجمالي يتجاوز 11.2 مليار جنيه، مما يعكس غياب الشفافية في توزيع الثروة الوطنية وتوجيه الميزانية نحو مشاريع إنشائية ضخمة بدلا من القطاعات الإنتاجية.
الآثار الهيكلية للديون السيادية وتعثر مسارات التنمية الشاملة
تكشف التقارير الرقابية أن أكثر من 80% من موازنة الدولة تذهب حاليا لخدمة الديون التي تراكمت بسبب السياسات التوسعية في الاقتراض الخارجي لتمويل العاصمة الإدارية الجديدة، ويؤكد الأكاديمي الدكتور محمد الشريف أن هناك فجوة هائلة بين الخطاب الرسمي الذي يروج للمدينة كمركز جذب والواقع الذي يشير إلى أنها مدينة للمسؤولين فقط، حيث تساءل عن استدامة إقامة القيادات مثل الوزير السابق شريف الشربيني أو الوزيرة الحالية بعد مغادرة مناصبهم، وتظل النبوءات الأدبية تلوح في الأفق حول تحول المشروع إلى منطقة معزولة للأثرياء بينما تترك المدن القديمة تواجه مصيرها المحتوم مع الفقر.




