
عبارة أثارت جدلا كبيرا، تلك هي التي ذكرها النائب محمد عبد العليم داود منذ أقل من أسبوع داخل مجلس النواب، في معرض تعقيبه على مشروع قانون “حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية”، حيث ذكر أن المستثمر الأجنبي يسأل عندما تطأ قدمه أي بلد عن “القوانين سيئة السمعة”. العبارة حذفت من المضبطة، وهو إجراء في حد ذاته سيئ السمعة في التقاليد البرلمانية المصرية.
على أية حال، عبارة “قوانين سيئة السمعة” لا تعني على الإطلاق، أن كل ما يصدر عن البرلمان هو سيئ السمعة، لأنها عبارة انتقائية لأعمال محددة.
في الواقع العملي، أن كلمة “قوانين سيئة السمعة” هي من التراث المصري الحديث الذي نتج عن وجود برلمانات تمريرية، تهدف إلى سن تشريعات، بدلا من أن تهدف إلى سيادة أمن الدولة المصرية، فهي تسعى إلى تحقيق أمن النظام السياسي، وربما الأمن الهادف لبقاء السلطة التنفيذية، وقد تضيق الحلقة بكونها أعمال برلمانية، تسعى لأمن الحاكم وبطانته والدائرة القريبة من حوله.
من هنا تحولت “قوانين سيئة السمعة” من مجرد عبارة إلى مفهوم أو مصطلح يتداول بكثرة خلال النصف قرن الماضي ولا زال. المفهوم يرتبط بعبارة أخرى، تهدف لمن قام بسن هذا التشريع “سيئ السمعة”، وهي عبارة “ترزية القوانين” التي تحولت هي الأخرى لمفهوم أو مصطلح يُعبر عن الرغبة في الإقلاع عن الشكل السلطوي أو الدكتاتوري، وفي أحسن الأحوال الشمولي، في التشريع المفضي إلى حكم الفرد أو النظام المركزي.
كل عصر له قوانينه سيئة السمعة
من هنا، فإنه لا يعيب البرلمان الحالي، أن يوصف تشريع أو عمل لمجلس نواب، بأنه عمل سيئ السمعة، وهو وصف مهم، ينطلق من أثر هذا التشريع على الأرض، وما يمكن أن يُسفر عنه من آثار سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. هو فقط جرس إنذار، غرضه العظة من تجنب تكرار تراث الماضي.
ولا شك، أن القوانين سيئة السمعة ترتبط بوجود برلمانات أوتوقراطية، جاءت بناء على نظم انتخابية شائهة، هدف النظام السياسي منها إلى التحكم في تشكيلته أو هيكل عضويته، بما يسمح بتمرير كل ما يهدف إليه الحاكم.
في مصر برزت عبارة “قوانين سيئة السمعة” لتتحول إلى مفهوم أو مصطلح مشروع للتداول عام 1977، عندما قام الرئيس المصري الراحل أنور السادات بإصدار مجموعة قوانين عقب تحويله المنابر إلى أحزاب سياسية بقرار رئاسي فوقي في 11/ 11/ 1976، وقتئذ صدر قانون 40 لسنة1977 بشأن الأحزاب السياسية، وقانون 33 لسنة 1978 لحماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، والقانون 95 لسنة 1980 لحماية القيم من العيب، والقانون 105 لسنة 1980 بشأن محاكم أمن الدولة.
تلك القوانين هدفت إلى فرملة أو كبح جماح، ما تصوره سذج وبسطاء، من أنه بداية حياة ديمقراطية سليمة، وتعددية حزبية ثالثة، بعد إلغاء الأحزاب في التعددية الثانية في يناير 1953. هنا يبدو أمران مهمان. أولهما: أن الرئيس السادات نفسه عبر عن تلك الفرملة، وعن هذه المكابح بشكل صريح، بكلمات لا زالت مأثورة في قاموس حكم الفرد عربيا، ولربما دوليا مثل “الديمقراطية لها أنياب”. وهي تعبير موجز، يشير إلى ثلة القيود التي أحاطت بنشأة وتأسيس الأحزاب السياسية، وممارساتها في الشارع، ومنع قيادات معارضة محددة من العمل السياسي. إذ أن كل ما هو موجود على الأرض (وقتئذ) هو على حد تعبيره، لا يعدو أن يكون “تجربة ديمقراطية”، أي محاولة غير راسخة، قد تنجح وقد تفشل.
الأمر الثاني: هو ما عبرت عنه الأدبيات العلمية المصرية، التي وضعت أطرا لهذا التغير الدرامي في الحياة السياسية المصرية التعددية الجديدة، حيث وصفتها بأنه “تعددية حزبية مقيدة”، وذلك لتعبر عن وطأة القيود التي أحاطت بها، وذلك عبر أساليب محاكم أمن الدولة والمدعي الاشتراكي، وتأسيس محاكم ينضم إليها شخصيات من خارج سلك القضاء مثل محكمة الأحزاب، التي تفصل في تأسيس أو بقاء الأحزاب السياسية.
قوانين سيئة السمعة في عهد مبارك
وبطبيعة الحال لم يخلُ عهد مبارك من سن مجلس الشعب قوانين سيئة السمعة، صحيح أن مبارك ألغى عديدا من هذه القوانين آنفة الذكر مثل القانون المنشئ للمدعي العام الاشتراكي، وكذلك عديد القيود القائمة في قانون الأحزاب، وأيضا قانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، لكنه أستبدلها بقوانين أخرى تم تشريعها من مجلس الشعب.
في البداية كان الدستور، الذي عدل مرتين عامي 2005 و2007، بشكل يُمكّن من توريث الحكم، والهيمنة على الرقابة على الانتخابات البرلمانية. كما كان هناك قانون الطوارئ الذي حكم البلاد طوال عهد مبارك، حيث سن مجلس الشعب مرات عديدة العمل به خلال عقود مبارك الثلاثة في الحكم. أيضا كانت هناك قوانين قد سنها البرلمان سيئة السمعة مثل قانون تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون، ما يجعله يفعل ما يحلو له، وتعديل قانون حماية المنافسة والممارسات الاحتكارية في آخر أيام حكمه، والذي مكّن رجال الأعمال من الاحتكار، ناهيك عن ثلة القوانين الاقتصادية التي مكنت من بيع القطاع العام بالبخس وكل وسائل الفساد، وأيضا التعديلات المستمرة لقانون الأحزاب للالتفاف على أحكام القضاء بعدم دستورية بعض مواد هذا القانون.. إلخ. كل ذلك التاريخ جعل معارضا مصريا بارزا وهو رئيس الحزب الناصري الراحل ضياء الدين داود، يصف صناع التشريع في مصر وقتئذ، بأنهم ليس ترزية قوانين، بل “ترزية برادع”. والبردعة هي غطاء سميك يُوضع على ظهر الحمير والبغال، وذلك في تمجيد مبطن لمن وصفوا منذ عقود غابرة بـ”ترزية القوانين”.
قوانين سيئة السمعة بعد 25 يناير2011
لم تسلم مصر من القوانين سيئة السمعة بعد 25 يناير 2011. صحيح أن قانون الطوارئ قد أُلغي العمل به، وأن قانون مباشرة الحقوق السياسية منح المصريين في الخارج حق الانتخاب وسد الفجوة بين المؤهل والممارس الفعلي لحق الانتخاب بجعل الانتخاب ببطاقة الرقم القومي، ومنع وزارة الداخلية من الرقابة على الانتخابات. لكن لم تفلح 25 يناير 2011 ولا 30 يونيو 2013، في أن تدفع بالنظام السياسي كي يتخلص من سمت سن برلمانه قوانين سيئة السمعة، أو سن قوانين تدفع بنظام الحكم نحو المزيد من المقرطة.
قانون الانتخابات بالقائمة المطلقة، الذي يعد تزويرا فاضحا لإرادة الناخبين بامتياز، لكونه ينقل نسبة تصويت الناخبين المعارضين حتى 49%، وأقل إلى جهة الناخبين المؤيدين بنسبة 51% أو يزيد، ما يجعل هؤلاء الأخيرين يمثلون بنسبة 100% في البرلمان، هو أبرز القوانين سيئة السمعة. قانون الإجراءات الجنائية الذي لم يرفع العبء حتى اليوم عن كاهل المظلومين من الحبس الاحتياطي الذي تحول إلى عقوبة، سيبقى من أكبر اللعنات التي ستطارد المُشرع والشّارع في آن.
سن قانون التظاهر المانع الفعلي لحق التظاهر (قانون107 لسنة 2013)، وتحصين المتجاوزين في حق ثوار 25 يناير من المحاسبة (قانون 161 لسنة 2018)، وتقويض المجتمع المدني بتشريع يمنع دعمه (قانون 149 لسنة 2019)، ومنع العمال من حق الإضراب عمليا في قانون العمل (قانون 14 لسنة 2025)…إلخ، كلها قوانين خرجت من البرلمان، وأفضت إلى كونها قوانين سيئة السمعة.
سلوك برلماني سيئ السمعة بعد تعديل دستور 2012
فوق القوانين سيئة السمعة، هناك سلوك برلماني سيئ السمعة، حدث بعد تعديل دستور 2012 عام 2014، وهذا الأمر أشد وطأة من القوانين سيئة السمعة. فامتناع البرلمان المالك الرئيس للسلطة التشريعية عن سن قانون المحليات (م 242 من الدستور) رغما عن الحكومة التي تُسوف كل يوم لمنع صدوره، وامتناعه أيضا عن سن قانون لمنع ندب القضاة لجهات غير قضائية، مما سيساهم في نزاهتهم وعدم إفساد الحكومة لهم عبر استمرار الندب (م 239 من الدستور)، هما من أبرز الأمور التي تجعل البرلمان يدفع لجهة الاستبداد وعدم العدالة وكبت حقوق الإنسان والحريات العامة.
هكذا يتبين أن القوانين والأفعال سيئة السمعة هي واقع برلماني لا خلاف ولا جدل حوله، وأن الأمر الذي يمحو هذه الخطوات يرتبط ارتباطا قويا بإصلاح الخلل البين في التوازن في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهو خلل هيكلي، يعد سمتا لكل الحقب الرئاسية التي تلت 23 يوليو 1952.







