
في مصادفة تأخذنا إلى أعماق تاريخ الفن المصري، يجتمع في الثاني والعشرين من ديسمبر ذكرى ميلاد عملاق التمثيل محمود المليجي (1910-1983) وذكرى رحيل نجم السينما صلاح ذو الفقار (1926-1993)، ليخلقا لحظة تأمل في إرث فني استثنائي جمع بينهما في عدد من أبرز الأعمال السينمائية العربية.
محمود المليجي سيد الأدوار المركبة ففي مثل هذا اليوم من عام 1910، وُلد الفنان الذي سيرسم بوجهه الصارم وصوته الجهوري ومهارته الفذة شخصيات لا تُنسى في ذاكرة السينما العربية.
تخرج المليجي من المدرسة الحربية عام 1936، لكن الفن كان يداعبه، فانضم لفرقة فؤاد الجزايرلي ثم فرقة يوسف وهبي.
تميز المليجي بقدرته الفريدة على تجسيد الشخصيات المعقدة، فجسد الشرير الأنيق، والأب الصارم، ورجل الأعمال المراوغ، والمسؤول الفاسد، ببراعة نادرة.
من أبرز أعماله: “الأسطي حسن” (1952)، “دعاء الكروان” (1959)، “اللص والكلاب” (1962)، “المومياء” (1969)، و”إمبراطورية ميم” (1972).
كان المليجي فناناً متعدد المواهب، حيث أخرج فيلم “فتاة الاستديو” (1949)، وكتب قصصاً سينمائية، وامتلك صوتاً إذاعياً متميزاً.
رحل في 22 يونيو 1983 تاركاً إرثاً من أكثر من 200 عمل فني.
صلاح ذو الفقار نجم الطبقة الراقية والكوميديا وفي نفس اليوم من عام 1993، رحل عن عالمنا الفنان الوسيم صلاح ذو الفقار، تاركاً فراغاً في السينما المصرية.
بدأ ذو الفقار حياته العملية ضابطاً في الشرطة، قبل أن يتحول إلى التمثيل وينجح نجاحاً ساحقاً.
تميز بأدوار “الابن الوسيم” و”الشاب الراقي” و”المحامي البارع”، ثم تفوق في الكوميديا الراقية بأعمال مثل: “أحبك يا حسن” (1958)، “شيء من الخوف” (1969)، “رجب فوق صفيح ساخن” (1979)، و”المواطن مصري” (1991).
لقاء العمالقة حين اجتمع المليجي وذو الفقار التقى العملاقان في عدة أعمال فنية خالدة، منها:
- “أنا حرة” (1959): حيث لعب ذو الفقار دور المهندس إحسان الذي يحب ليلى (لبنى عبد العزيز)، بينما جسد المليجي دور والدها الصارم.
- “اللص والكلاب” (1962): من روائع الأدب المصري الممثل سينمائياً، حيث لعب ذو الفقار دور مرزوق الباشا، بينما جسد المليجي شخصية رؤوف علوان ببراعة.
- “الطريق” (1964): فيلم اجتماعي عميق جمع المليجي في دور والد البطلة مع ذو الفقار في دور محمود.
- “شيء من الخوف” (1969): حيث برع المليجي في دور العمدة المستبد، بينما لعب ذو الفقار دور الصحفي الذي يكشف الفساد.
كانت هذه الأعمال تجسيداً حياً لتقاطع جيلين من العمالقة، جيل المليجي المؤسس وجيل ذو الفقار الذهبي، حيث انتقلت الخبرة والاحتراف في مشاهد جمعت بينهما بقوة وتكامل نادر.
إرث لا يموت
اليوم، ونحن نستعيد ذكرى هذين العملاقين، ندرك أن الفن الحقيقي لا يعترف بالرحيل الجسدي.
فما زالت شخصيات المليجي تنبض بالحياة على الشاشات، وما زالت ابتسامة ذو الفقار وسحره الخاص يلمعان في الأعمال التي خلدها.
في 22 ديسمبر، نحتفي بولادة فنان علّمنا عمق الشخصية، وبرحيل فنان علّمنا جمال البساطة والأناقة.
تاريخان يلتقيان ليذكرانا بأن الفن المصري العريق بني على أكتاف عمالقة تركوا بصمات لا تمحى، رحم الله محمود المليجي و صلاح ذو الفقار.







