
اليوم، بلوغه الخامسة والسبعين لا يأتي كرقم في دفتر العمر، بل كصدى لضوءٍ يصرّ على أن يبدّد العتمة.
خمسة وسبعون عامًا من الصلابة، وخمسة وسبعون عامًا من كلفة الكلمة.
قلبٌ خضع لمشرط الجراحة، وجسدٌ أنهكته سنوات الاعتقال، لكنه ما زال يحمل من شجاعة المقاتل ما يُربك السجّان.
اسم يحيى حسين عبد الهادي ليس مجرد عنوان في تاريخ المعارضة، بل هو خريطة وطنٍ أراد أن يبقى ملكًا للناس.
مهندس اعتاد أن يقرأ الخرائط كما تُخفى، لا كما تُرسم، وأن يسمّي الفساد باسمه حتى لو دفع ثمن التسمية.
حين تحوّلت الخصخصة إلى غطاء لبيع الأصول، كان يحيى حسين من أوّل من قال: «لا لبيع مصر».
كتب عن عمر أفندي، وعن مصانع الشعب، وعن أن المال العام هو كرامة عامة.
لم يكن صوتًا غاضبًا، بل حسابًا دقيقًا، فكان الرد إقصاءً ثم قيودًا.
في معركة التوريث، لم يتردّد.
كتب أن توريث الحكم خيانة لفكرة الجمهورية.
قال إن مصر ليست عزبة، وإن الشعب ليس رعية.
لم تكن كلماته مجرد رأي، بل كانت صوتًا حقيقيًا وسط ضجيج المجاملة.
تكرّرت الاعتقالات، وتوالت التحقيقات، ولم تنكسر الإرادة.
بعد 2011 ظنّ البعض أن الزمن تغيّر، لكن الدولة التي لا تُحاسَب لا تُبدّل سلوكها.
عاد إلى الكتابة، فعادت القيود.
اعتقال 2019 لم يكن بسبب عنف، بل بسبب رأي.
الجسد تعب، والقلب خضع لمشرط الجراحة، لكن العقل بقي حرًا.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض الأعياد لا تحتمل النسيان.
ولأن العمر حين يُسرَق خلف القضبان، يُديننا أكثر مما يُدين صاحبه.
ولأن الشجاعة، حين تكبر في العمر، تُصبح أمانة في أعناقنا.








