مقالات ورأى

محمد السعيد إدريس يكتب : تعجل غروب القوة الأمريكية

منذ ما يزيد على عقد مضى، كاد كبار المفكرين والخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين يجمعون فى قراءتهم لواقع حال الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها

قوة عظمى أحادية : على أن هذه القوة «إلى أفول» ويرجع ذلك لسببين جوهريين؛

أولا : ما يمكن وصفه بـ «وهن القوة الأمريكية» أو «إرهاق القوة» الذى أخذت تعانيه القوة الأمريكية بمعناها الواسع الاقتصادى والسياسى والاجتماعى وحتى العسكرى

ثانيا : تراجع الوزن النسبى للقوة الأمريكية مقارنة بالقوة الآسيوية الصاعدة: الصين والهند، إضافة إلى عودة الصعود الروسى ومنافسته على الزعامة العالمية بتنسيق وتناغم غير مسبوق مع الصين.

حيث كانت الولايات المتحدة تعمل «إستراتيجياً» للحيلولة دون التقارب الصينى ــ الروسى، وها هو يكاد يتحول من تقارب إلى تحالف تحت راية منظمتين هائلتين واحدة عسكرية ــ أمنية هى «منظمة شنغهاى»،

والأخرى اقتصادية هى «تجمع بريكس» ضمن طموح لا يتوقف عن إصرار لإسقاط النظام الأحادى الأمريكي، وتأسيس نظام عالمى بديل تعددى وأكثر ديمقراطية.

من يتابع الأداء الأمريكى على المستويين الداخلى والخارجى بمقدوره أن يكون على يقين بأن القضية لم تعد هى هل يمكن أن تسقط القوة الأمريكية كقوة عالمية؟ بل: متى ستسقط هذه القوة؟ كما أن فى مقدوره أن يتلمس حقيقة أن الولايات المتحدة تتعجل أفولها وسقوطها .

والتبعية الأمريكية «الذليلة» لكيان الاحتلال الإسرائيلى على نحو ما تكشف طيلة الأشهر السبعة التى مضت منذ هجوم «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر الماضى،

والصراع فى أوكرانيا حيث عجز الكونجرس الأمريكى عن إقرار حزمة المساعدات التى طلبها الرئيس الأمريكى جو بايدن لأوكرانيا

لصد تقدم القوات الروسية وللحيلولة دون انتصار المشروع الروسي، وفى العلاقة مع الصين والخلاف حول «تايوان».

ريتشارد هامس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى وأحد أبرز الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين الذى سبق كل نظرائه منذ أكثر من عقد فى الحديث عن «أفول» القوة الأمريكية،

بادر معلقاً على الظروف التى أحاطت بإقرار حزمة المساعدات الأمريكية الأخيرة لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان، بعد تردد ومناكفات مطولة داخل الكونجرس،

حذر القادة الأمريكيين من العمل على إحياء النظام العالمى الأمريكى الذى تدهور بشدة خلال العقدين الماضيين. بفعل عوامل عديدة معقدة فى مقدمتها تغير موازين القوى بين الغرب وآسيا،

واقترح أن تعمل واشنطن بدلاً من ذلك على بذل الجهود للحد من تدهور النظام والإفادة من دروس انهيار النظام العالمى الذى أقيم فى «وفاق أوروبا» فى القرن الـ19، وأدى سقوطه إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية .

وحول الموضوع ذاته، أى التردد الأمريكى الطويل فى إقرار المساعدات الخارجية تلك لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان نشرت صحيفة «ناشيونال انترست» مقالاً للكاتب «رامون ماركس» أقر فيه بأن القوة الأمريكية «أضحت منهكة»،

ولم يعد فى مقدور حلف شمال الأطلسى (الناتو) والدول الأوروبية الحليفة «الاستمرار فى المراهنة والاعتماد على القوة الأمريكية»، كما نقلت عن أحد المسئولين فى إدارة جو بايدن قوله إن «الولايات المتحدة وصلت إلى الحد الأقصى،

وحتى دون مجىء دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة (5 نوفمبر 2024)، لم يعد من الممكن أن نتوقع من الولايات المتحدة، من الناحية الواقعية،

أن تلعب دوراً مستقبلياً مهماً فى أوروبا كما فعلت على مدى السبعين سنة الماضية». لذلك نصح كتاب أمريكيون أوكرانيا بـ «حسن توظيف» حزمة المساعدات الأمريكية الأخيرة (61 مليار دولار).

كما لو كانت الأخيرة، وأن يخطط وفق ذلك».

كل هذه الاجتهادات شغلت الكاتب الأمريكى البارز «ديفيد إغناسيوس»، عقب مطالعته ملخصاً لدراسة جديدة أعدتها مؤسسة «راند» للأبحاث الأمريكية الشهيرة

عن تقييم الوضع التنافسى الأمريكى مع الصين للتساؤل: «هل تغرب الشمس ببطء عن القوة الأمريكية؟».

الدراسة التى أعدتها مؤسسة «راند» كانت بعنوان «مصادر الديناميكية الوطنية (الأمريكية) المتجددة». وإذا كانت الدراسة وملخصها قد وضعا كاتباً بحجم ديفيد إغناسيوس للتشاؤم حول المستقبل الأمريكي،

فحتماً هذه الدراسة قد سبقت تكشف سوء الأداء الأمريكى لإدارة بايدن للحرب الإسرائيلية الإجرامية على قطاع غزة وعمق انهزامية هذا الأداء الذى وصل إلى درجة نفى قيام إسرائيل بارتكاب «جرائم حرب» فى قطاع غزة،

على لسان انتونى بلينكن وزير الخارجية، رغم الذعر الأممى من «المقابر الجماعية» التى عثر عليها فى القطاع، وإلى درجة تحذير «المحكمة الجنائية الدولية من (رد أمريكى) إذا أصدرت أوامر اعتقال لمسئولين إسرائيليين».

المصدر الأهم للذعر من المستقبل الأمريكى تجسده الصراعات الداخلية الأمريكية الراهنة، عندها سيكون الحديث عن «السقوط الأمريكى» مجرد إقرار بواقع لا مهرب منه.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى